الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

تحديات قائمة.. ماذا تتضمن المبادرة الأمريكية لإعادة ترتيب المشهد الليبي؟

  • مشاركة :
post-title
علم ليبيا

القاهرة الإخبارية - ساجدة السيد

في 28 يوليو 2026، كثّفت الولايات المتحدة الأمريكية من تحركاتها في الملف الليبي؛ بعدما استقبل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في العاصمة واشنطن، نائب القائد العام للجيش الليبي صدام حفتر، بحضور مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والشرق الأوسط مسعد بولس؛ لبحث سبل توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وذلك بعد أيام من لقاء نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لانداو، مع وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية عبد السلام زوبي. وتعكس هذه اللقاءات تَبَنِي الإدارة الأمريكية للمبادرة التي يقودها مسعد بولس، والتي تقوم على تشكيل سلطة تنفيذية موحدة عبر الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيسًا للحكومة، وإسناد رئاسة المجلس الرئاسي إلى صدام حفتر، بالتوازي مع توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات عامة؛ بهدف إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي في البلاد. وفي المقابل، أثارت المبادرة تباينًا في المواقف داخل ليبيا، حيث حظيت بدعم عدد من أعضاء مجلس النواب؛ باعتبارها فرصة لدفع مسار التسوية السياسية، بينما رفضتها قوى سياسية وعسكرية خاصة في غرب البلاد، معتبرة أن أي ترتيبات تقوم على تقاسم السلطة خارج الأُطر الدستورية قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة وتمديد المرحلة الانتقالية.

تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: ماذا تتضمن المبادرة الأمريكية لإعادة ترتيب المشهد الليبي في ظل وجود تحديات جمة؟

فرص الاستقرار

تمثل المبادرة الأمريكية محاولة لإعادة صياغة مقاربة حل الأزمة الليبية، من خلال الانتقال من دعم المسار الأممي إلى الانخراط المباشر في جمع الأطراف الليبية حول صيغة لتوحيد السلطة والمؤسسات. وهو ما يبرز من خلال عدد من المرتكزات الرئيسية:

(*) توحيد المؤسسات: ترتكز المبادرة الأمريكية على توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية؛ باعتبار أن الانقسام المؤسسي يمثل أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة الليبية منذ عام 2014، فالمبادرة تتضمن تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تجمع طرفَي الصراع في الشرق والغرب، مع توحيد المؤسسة العسكرية تحت إطار واحد، وهو ما يتوافق مع المطالب التي كررتها بعثة الأمم المتحدة وعدد من الفاعلين الإقليميين خلال السنوات الماضية. ويهدف هذا التوجه إلى إنهاء ازدواجية مؤسسات الدولة، خاصة في السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية، بما يسهم في تعزيز قدرة الدولة على إدارة شؤونها وتقليل احتمالات عودة المواجهات المسلحة.

(*) تقديم الدعم الدولي والإقليمي: تعزز فرص نجاح المبادرة الأمريكية حالة التنسيق التي تقودها واشنطن مع القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف الليبي، فقد سبقت المبادرة لقاءات واتصالات أمريكية مع مسؤولين من شرق وغرب ليبيا، تزامنت مع تحركات مصر وتركيا وإيطاليا والسعودية، وهي أطراف تمتلك تأثيرًا مباشرًا على المشهد الليبي. كما عكست اللقاءات التي استضافتها واشنطن بين مسؤولين أمريكيين وممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة للجيش الليبي، وجود توجه أمريكي لبناء توافق إقليمي يقلل من تضارب المصالح الخارجية التي كانت أحد أبرز أسباب تعثر المبادرات السابقة.

(*) تعزيز الاستقرار الأمني: تولي المبادرة أهمية كبيرة لتوحيد المؤسسة العسكرية؛ انطلاقًا من أن الانقسام الأمني يُشكِّل أحد أكبر التحديات أمام استقرار ليبيا. ولذلك ركزت اللقاءات الأمريكية مع القيادات العسكرية في الشرق والغرب على بحث آليات توحيد المؤسسة العسكرية، وتطوير التعاون الأمني، وتعزيز قدرات القوات الليبية في مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود الجنوبية، والحد من الهجرة غير النظامية. ويمثل نجاح هذا المسار عنصرًا أساسيًا في خلق بيئة آمنة تمنع عودة الصراع المسلح، وتمهد لاستقرار مؤسسات الدولة.

(*) توفير بيئة مواتية للتسوية: تسعى واشنطن إلى استثمار ثقلها السياسي والدبلوماسي لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، من خلال الدفع نحو تسوية تقوم على تقاسم السلطة بصورة مؤقتة، بما يمنع انهيار الوضع الأمني، ويفتح المجال أمام معالجة الملفات الخلافية تدريجيًا. كما تستند المبادرة إلى وجود مصالح مشتركة بين الأطراف الليبية في الحفاظ على استقرار إنتاج النفط، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، واستعادة عمل المؤسسات، وهو ما قد يوفر حوافز إضافية لإنجاح التسوية، إذا ما اقترن ذلك بتوافق داخلي واسع وعدم الاكتفاء بالدعم الخارجي فقط.

تحديات قائمة

رغم الزخم السياسي والدبلوماسي الذي أحاط بالمبادرة الأمريكية، فإن فرص تحولها إلى تسوية مستدامة لا تزال تواجه مجموعة من التحديات، يتمثل أبرزها في:

(*) الرفض الداخلي: تواجه المبادرة الأمريكية معارضة من قوى سياسية وعسكرية واجتماعية، أهمها من عدد من الشخصيات السياسية التي تعارض أي ترتيبات تقوم على تقاسم السلطة بين النخب الحالية، معتبرة أنها تعيد إنتاج الأزمة بدلًا من إنهائها. كما أعلن عدد من أعضاء مجلس النواب تحفظهم على بعض بنود المبادرة، مؤكدين أن أي تسوية يجب أن تمر عبر المؤسسات الليبية والأُطر الدستورية.

(*) غياب التوافق: رغم الحراك الأمريكي، لا يزال الانقسام بين المؤسسات الليبية قائمًا، سواء بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، أو بين القيادات العسكرية والسياسية في الشرق والغرب. ويصعب تنفيذ أي مبادرة دون توافق واسع بين هذه الأطراف؛ لأن التجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات التي تفتقر إلى الإجماع سرعان ما تتعثر.

(*) الإشكاليات الدستورية: لا تزال القاعدة الدستورية وقوانين الانتخابات وشروط الترشح للرئاسة من أبرز الملفات العالقة، كما يثار الجدل حول وضع العسكريين ومزدوجي الجنسية، وهي القضايا نفسها التي أدت إلى إلغاء انتخابات ديسمبر 2021، مما يجعلها تحديًا رئيسيًا أمام أي خريطة طريق جديدة.

(*) مخاوف إطالة المرحلة الانتقالية: تخشى قوى سياسية ليبية أن تتحول المبادرة إلى وسيلة لإعادة توزيع المناصب بين الأطراف الحالية، دون الالتزام بجدول زمني واضح لإجراء الانتخابات. وقد زادت هذه المخاوف بعد تداول تسريبات عن خريطة طريق تمتد لعدة سنوات، وهو ما دفع معارضين إلى اعتبارها محاولة لترسيخ سلطات الأمر الواقع بدلًا من إنهاء المرحلة الانتقالية.

(*) تَعَدُد المبادرات الدولية: تتزامن المبادرة الأمريكية مع مسارات أخرى، أبرزها مخرجات الحوار المُهيكَل الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، فضلًا عن المبادرة التي أعلنتها المجالس الليبية الثلاثة لإجراء الانتخابات، ويثير هذا التعدد مخاوف من تضارب الأدوار أو استغلال الأطراف الليبية اختلاف المبادرات للمناورة وكسب الوقت.

(*) تضارُب المصالح الخارجية: رغم وجود تقارب بين بعض القوى الإقليمية والدولية بشأن ضرورة إنهاء الانقسام، فإن لكل طرف مصالحه في ليبيا، سواء فيما يتعلق بالطاقة أو الأمن أو النفوذ العسكري، وقد يؤدي اختلاف أولويات هذه القوى إلى إبطاء تنفيذ المبادرة أو التأثير في مسارها إذا لم يتوافر تنسيق دولي مستدام.

ختامًا؛ تمثل المبادرة الأمريكية محاولة جديدة لكسر الجمود الذي يهيمن على الأزمة الليبية، إلا أن نجاحها سيظل مرهونًا بقدرتها على تحقيق توافق بين الأطراف الليبية، وتوحيد المؤسسات، والالتزام بخريطة طريق واضحة تقود إلى الانتخابات. وبين فرص النجاح وتحديات التنفيذ، يبقى مستقبل المبادرة مرتبطًا بإرادة الليبيين ومدى توافق الجهود الدولية والإقليمية لدعم تسوية سياسية مستدامة.