تحوّل مفهوم "الترحيل الجماعي" للمهاجرين، الذي كان حتى وقت قريب يثير عواصف من الجدل داخل ألمانيا، إلى أحد أبرز محاور المؤتمر العام لحزب "البديل من أجل ألمانيا"، في مؤشر على تصاعد نفوذ الحزب اليميني، وسعيه إلى جعل سياسة الهجرة محور حملته للوصول إلى السلطة، وسط احتجاجات واسعة واتهامات من معارضيه بأن هذه الطروحات تستهدف المهاجرين وتعيد إلى الأذهان أفكار اليمين المتطرف.
وخلال مؤتمر الحزب الذي انعقد بمدينة إرفورت شرقي ألمانيا، دافع قادة الحزب عن سياسة "الترحيل الجماعي" أو ما يعرف بـ"Remigration"، معتبرين أنها تستهدف الأجانب الذين لا يملكون حق الإقامة، أو المدانين بارتكاب جرائم، أو من يرفضون الاندماج في المجتمع الألماني، بينما يرى منتقدو الحزب أن المفهوم يحمل أبعادًا أوسع قد تطال مواطنين من أصول مهاجرة، بحسب صحيفة "التليجراف" البريطانية.
من السرية إلى العلن
أثار اجتماع عقد عام 2023 حول مفهوم "الترحيل الجماعي" ضجة كبيرة في ألمانيا بعدما شارك فيه أعضاء من حزب "البديل" إلى جانب شخصيات محسوبة على اليمين المتطرف، وهو ما دفع الحزب آنذاك إلى التنصل من الاجتماع وإبعاد أحد مساعديه البارزين.
لكن بعد ثلاث سنوات، لم يعد الحزب يتجنب الحديث عن هذه السياسة، بل جعلها أحد أبرز شعاراته السياسية، وخصص لها مواد دعائية داخل المؤتمر، تضمنت ملصقات تروّج لفكرة الترحيل وإعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية.
ويقول الحزب إن خطته تشمل ترحيل الأجانب المدانين جنائيًا، أو من يساندون جماعات إرهابية، أو الذين رفضت طلبات لجوئهم، إضافة إلى من لا يلتزمون بما يصفه الحزب بـ"القيم الثقافية الألمانية"، مثل المساواة بين الرجال والنساء، مع تقديم حوافز لعودة الألمان الذين غادروا البلاد بسبب الضرائب أو سياسات الهجرة.
دفاع الحزب
أكد فيندلين فيسل، المتحدث باسم منظمة "جيل ألمانيا" الشبابية التابعة للحزب، أن سياسة "الترحيل الجماعي" لا تستهدف المواطنين الألمان من أصول مهاجرة، وإنما الأشخاص الذين يفرض القانون أصلًا مغادرتهم البلاد.
وأوضح أن الحزب لا يدعو إلى استهداف المسلمين أو أصحاب الخلفيات الأجنبية، وإنما يركّز على من يرفضون الاندماج في المجتمع الألماني، معتبرًا أن القضية "ثقافية وليست دينية".
وأشار إلى وجود حالات لأشخاص رفضت طلبات لجوئهم لكنهم بقوا داخل ألمانيا لأسباب قانونية أو إنسانية، رغم وجود سوابق جنائية بحق بعضهم، لافتًا إلى أن عددًا من منفذي الهجمات التي شهدتها مدن مثل ماجديبورج وسولينجن وآشافنبورج كانوا من طالبي اللجوء المرفوضين.
صعود سياسي
يعكس تبني الحزب لهذه السياسة بصورة علنية التحول الذي يشهده الخطاب السياسي في ألمانيا بشأن الهجرة، بعدما كان حزب "البديل" يعد قبل سنوات قوة هامشية، بينما تشير استطلاعات الرأي الحالية إلى تصدره نوايا التصويت على المستوى الوطني بنسبة تقارب 30%، متقدمًا على الاتحاد الديمقراطي المسيحي بقيادة المستشار فريدريش ميرز.
كما تتوقع استطلاعات محلية أن يحصد الحزب نحو 40% من الأصوات في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت المقررة في سبتمبر، بما قد يتيح له تشكيل حكومة إقليمية للمرة الأولى.
ورغم استمرار الأحزاب الألمانية التقليدية في التمسك بما يعرف بسياسة "الجدار العازل"، التي ترفض التعاون مع الحزب بسبب مواقفه، فإن تصدره استطلاعات الرأي أثار تساؤلات حول مدى إمكانية استمرار عزله سياسيًا.
انتقادات واحتجاجات
في المقابل، شهد محيط المؤتمر مظاهرات شارك فيها آلاف المحتجين الذين وصفوا الحزب بأنه يمثل اليمين المتطرف، ورفعوا لافتات تتهمه بإحياء أفكار تعود إلى حقبة النازية.
وقال عدد من المتظاهرين إنهم يخشون أن يتجاوز مفهوم "الترحيل الجماعي" ترحيل المهاجرين غير النظاميين ليشمل المواطنين الألمان من أصول أجنبية، معتبرين أن الخطاب يحمل طابعًا تمييزيًا على أساس العرق والأصل.
كما وجّه المحتجون انتقادات إلى بيورن هوكه، زعيم الحزب في ولاية تورينجن، الذي سبق أن أدين قضائيًا بسبب استخدامه شعارات مرتبطة بالنازية خلال تجمعات سياسية، معربين عن رفضهم لاحتمال توليه أي منصب حكومي مستقبلًا.
جدل متواصل
ويواجه حزب "البديل من أجل ألمانيا" اتهامات متكررة بالتقارب مع روسيا، خاصة بعد زيارة أحد قياداته إلى موسكو العام الماضي، ولقائه مستشارًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إضافة إلى دعوات الحزب لاستئناف استيراد الطاقة الروسية الرخيصة.
كما تصنف هيئة حماية الدستور الألمانية الحزب حاليا باعتباره تنظيما "يمينيًا متطرفًا"، وهو القرار الذي يطعن فيه الحزب أمام القضاء.
من جهتها، أكدت زعيمة الحزب أليس فايدل، خلال افتتاح المؤتمر، أن حزبها "جاهز لتحمل مسؤولية الحكم" بعد الانتخابات العامة المقبلة، معتبرة أن الحزب أصبح "الحزب الشعبي الجديد في ألمانيا"، ومهاجمة حكومة المستشار فريدريش ميرز، التي اتهمتها بانتهاج سياسات لا تخدم المصالح الألمانية.
ويرى مراقبون أن الجدل المتصاعد حول ملف الهجرة، وتزايد التأييد الشعبي لحزب "البديل"، يجعلان سياسة "الترحيل الجماعي" واحدة من أكثر القضايا حضورا في الساحة السياسية الألمانية خلال الفترة المقبلة، سواء باعتبارها برنامجًا انتخابيًا للحزب أو محور انتقادات خصومه.