كشف تقرير استخباراتي أُعدّ على يد الضابط السابق في جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني "MI6"، كريستوفر ستيل، عن مزاعم تفيد بأن أجهزة الاستخبارات الروسية راقبت على مدى عقود عددًا من أبرز الشخصيات السياسية البريطانية، وأعدّت ملفات سرية لتقييم توجهاتهم السياسية وإمكان الاستفادة منهم استخباراتيًا، دون أن يخلص التقرير إلى وجود تعاون بينهم وبين موسكو.
ويحمل التقرير، الذي يحمل اسم "مشروع فيش" Project Fish، أكتوبر 2022، ولم يُنشر سابقًا، ويستند، بحسب معدّه، إلى مصادر مطلعة على ملفات جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية.
وتناول التقرير شخصيات بارزة، من بينها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون، ومستشاره السابق دومينيك كامينجز، وزعيم حزب استقلال المملكة المتحدة السابق نايجل فاراج، إضافة إلى زعيم حزب العمال السابق جيريمي كوربن، حسبما نشرت صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية.
مراقبة منذ سنوات
بحسب التقرير، فإن جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي فتح ملفًا عن بوريس جونسون منذ ثمانينيات القرن الماضي، في أثناء دراسته في جامعة أكسفورد، بعدما رصد نشاطه الأكاديمي والاجتماعي واعتبر أنه قد يتجه إلى العمل السياسي مستقبلًا.
وزعم التقرير أن التقييم الروسي وصف جونسون بأنه "شخصية غير تقليدية تتمتع بالذكاء وسرعة البديهة والجاذبية"، لكنه اعتبره في الوقت نفسه "محبوبًا لكنه غير جدير بالثقة"، وأنه يُظهر "ومضات من عدم الاستقرار"، كما رأى أنه يمتلك شخصية قوية ويمكن التأثير عليه، قبل أن يخلص في نهاية المطاف إلى أنه ليس مرشحًا مناسبًا لإقامة علاقة استخباراتية طويلة الأمد، بسبب طبيعته الاستعراضية.
وعلّق جونسون على هذه المزاعم بالقول، إنه فوجئ بفكرة أن جهاز الاستخبارات السوفيتي كان يعد تقارير عن طلاب جامعة أكسفورد، خلال ثمانينيات القرن الماضي، معتبرًا أن ذلك يعكس جانبًا من طبيعة عمل الاستخبارات السوفيتية في تلك المرحلة.
دائرة الاهتمام
تناول التقرير أيضًا دومينيك كامينجز، الذي أمضى عدة سنوات في روسيا، خلال تسعينيات القرن الماضي، إذ عمل في مشروع لإنشاء خط طيران بين مدينة سامارا الروسية والعاصمة النمساوية فيينا.
ويزعم التقرير أن أجهزة الاستخبارات الروسية افترضت آنذاك أن كامينجز ربما كان على صلة بجهاز الاستخبارات البريطاني، لكنها مع ذلك اعتبرته هدفًا استخباراتيًا واعدًا وفتحت ملفًا خاصًا به، قبل أن تتراجع الاتصالات معه بعد مغادرته روسيا عام 1997.
ونفى كامينجز في مقابلات سابقة أي ارتباط بالأجهزة الاستخباراتية، مؤكدًا أن لقاءاته بعناصر من جهاز الاستخبارات السوفيتية السابق كانت أمرًا اعتياديًا في موسكو خلال تلك الفترة، ولا تعني وجود أي تعاون معهم.
أما نايجل فاراج، فيشير التقرير إلى وجود تباين داخل أجهزة الاستخبارات الروسية بشأن جدوى الاستثمار السياسي فيه، إذ أبدى جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي اهتمامًا به في مرحلة معينة، قبل أن يُتخذ قرار، عام 2016، بوقف أي متابعة خاصة به. ويؤكد التقرير أن هذه المعلومات استندت إلى مصدر واحد فقط، ولم تُدعّم بمصادر مستقلة أخرى.
محاولات التأثير الروسية
تناول التقرير كذلك زعيم حزب العمال السابق جيريمي كوربن، مشيرًا إلى أن انتخابه زعيمًا للحزب عام 2015 لقي ترحيبًا داخل الأوساط الروسية، بالنظر إلى مواقفه المنتقدة لحلف شمال الأطلسي "الناتو" وبعض سياسات الغرب تجاه موسكو.
وفي الوقت نفسه، يؤكد التقرير أنه لا توجد أي مؤشرات على أن كوربن كانت له اتصالات مباشرة مع أجهزة الاستخبارات الروسية أو أنه عمل لصالحها، رغم الإشارة إلى ظهوره المتكرر على قناة "روسيا اليوم" وإلى وجود شخصيات داخل دائرته السياسية تبنت مواقف وُصفت بأنها قريبة من الرواية الروسية.
تشكيك في موثوقية التقرير
رغم ما يتضمنه التقرير من مزاعم، فإنه لا يقدم أدلة على قيام أي من الشخصيات السياسية المذكورة بنقل معلومات إلى روسيا أو العمل لخدمة مصالحها، بل يركز على تقييمات يُقال إن أجهزة الاستخبارات الروسية أعدّتها بشأن تلك الشخصيات وإمكان الاستفادة منها.
كما أثار التقرير تساؤلات بشأن موثوقية مصادره، إذ شكك عدد من المطلعين في مدى كفاية الأدلة المستخدمة للتحقق من المعلومات الواردة فيه. وامتنع كل من كامينجز، وفاراج، وكوربن، وستيل عن التعليق على مضمون التقرير، الذي يعيد إلى الواجهة الجدل بشأن محاولات موسكو التأثير في الحياة السياسية البريطانية، دون أن يقدم، وفق ما ورد فيه، أدلة حاسمة على وجود تعاون مباشر بين الشخصيات الواردة فيه وأجهزة الاستخبارات الروسية.