بعد أربعة أيام من المفاوضات المضنية برعاية وزارة الخارجية الأمريكية، أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو مساء اليوم الجمعة التوقيع على اتفاق إطاري بين إسرائيل ولبنان، وصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنها "إنجاز كبير" في مواجهة المشروع الإيراني بالمنطقة، كما جاء التوقيع بعد مسار شاق اعترضته عقبات جوهرية، ليُسدل الستار على مرحلة التفاوض ويفتح باب مرحلة أصعب، وهي التطبيق.
خرائط الانسحاب
ونقلت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، عن مصادر دبلوماسية رفيعة، أن الاتفاقية تُلزم قوات الجيش الإسرائيلي بالانسحاب من المنطقة الواقعة بين "الخط الأزرق" ونهر الليطاني، في حين يحتفظ جيش الاحتلال بحرية العمل العسكري الكاملة داخل "شريط الأمن".
والأبرز في بنود الاتفاق أنه يُرسي منطقتي تجريب لنزع سلاح حزب الله ونقل السيطرة إلى الجيش اللبناني، أولهما جنوب نهر الليطاني خارج الخط الأزرق، والثانية شماله خارج الخط الأصفر الأصلي، وهو ما يُمثل اعترافًا ضمنيًا بالدور المحوري للمؤسسة العسكرية اللبنانية في إعادة رسم خريطة النفوذ في الجنوب.
وبحسب معاريف، فإن إسرائيل ستُبقي وجودها العسكري في شريط الأمن "طالما لم يجرِ نزع سلاح حزب الله وسائر الفصائل المسلحة في لبنان"، وهو شرط يُلقي بظلاله على أي تسوية دائمة.
الكابينت يشتعل
بالتوازي مع احتفالية التوقيع في واشنطن، كانت تل أبيب تعيش على وقع اشتباك سياسي حاد داخل مجلس الوزراء الأمني المصغر، إذ أشعل إصابة عدد من ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي برماية قنبلة يدوية من أحد عناصر حزب الله في جنوب لبنان فتيلَ نقاش محتدم، تمحور حول سؤال جوهري، هو: هل يحق للجيش الاسرائيلي ضرب حزب الله استباقيًا حين يرصد تعاظمًا في قدراته، أم يقتصر الرد على لحظة التهديد المباشر فحسب؟
وبحسب معاريف، طالب وزراء من بينهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزيرة المستوطنات أوريت ستروك بتوسيع صلاحيات الجيش لتشمل الضرب الاستباقي، محتجين بأن حزب الله يستغل هدوء الجبهة لإعادة تسليح نفسه وتهريب الذخائر وإعادة انتشار مقاتليه جنوبي الليطاني.
وذهبت "ستروك" إلى أن الجنود في الميدان "يشعرون أنهم كأهداف في حقل تدريب"، في حين رأى وزير تطوير النقب والجليل إسحق وسرلاوف أن الإشكالية الكبرى تكمن في التهديدات الواقعة خارج "الخط الأصفر"، أي خارج النطاق الذي يُخول الجيش الرد الفوري وفق آليات التنسيق القائمة.
في المقابل، دافع رئيس الأركان إيال زامير ونتنياهو عن المسار الراهن، مؤكدين أن الجنود يردون على كل خطر فوري دون قيود، وأن واشنطن تُدرك الحق الإسرائيلي في الدفاع عن النفس.
وحين ردَّ "زامير" على المنتقدين بعبارته الصريحة "أنتم أردتم وقف إطلاق النار"، أجاب "بن جفير" دون مواربة: "أنا لا أريده، وهذا بالضبط سبب معارضتي".
وذهب "بن جفير" إلى أبعد من ذلك مطالبًا باستغلال حادثة الإصابة ذريعةً لتحطيم الاتفاق وضرب مئات الأهداف، وهو ما قابله وزير الدفاع يسرائيل كاتس بتأكيده أن "للهدنة ثمنًا ومزايا، لكن لا أحد يُعرض الجنود للخطر".
واشنطن توازن وتهديد الانهيار قائم
تتابع الإدارة الأمريكية باهتمام بالغ مسار الأحداث على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وتسعى إلى إرساء آليات تنسيق تحول دون الانزلاق نحو مواجهة جديدة، في حين تُدرك تل أبيب أن أي قيود على حرية عمل جيشها ستكون خطًا أحمر في أي مفاوضات مقبلة، وفق "معاريف".
وعلى الرغم من احتفالية التوقيع، فإن حدة الخلاف التي تجلت داخل الكابينت تكشف أن الطريق نحو تسوية دائمة لا تزال تعترضه ألغام سياسية وعسكرية، وأن الاتفاق في مجمله ليس سوى بداية مسار طويل لم تتضح نهايته بعد.