قدَّم وزير الخارجية اليمني الأسبق الدكتور أبو بكر القربي، قراءة شاملة للمنعطفات الحرجـة التي مر بها اليمن منذ مطلع عام 2011، وذلك خلال لقاء خاص مع الإعلامي والكاتب الصحفي سمير عمر في برنامج الجلسة سرية على شاشة القاهرة الإخبارية، مستعرضًا جذور الأزمة السياسية، ومسار المبادرة الخليجية، وصولًا إلى انهيار المؤسسة العسكرية ومقتل الرئيس الراحل علي عبدالله صالح.
حادثة جمعة الكرامة
أوضح "القربي" أن الرد الأول للسلطة مع اندلاع احتجاجات فبراير كان يهدف إلى إظهار عدم وجود إجماع شعبي على تنحي الرئيس علي عبدالله صالح، حيث نظم حزب المؤتمر الشعبي العام ساحات للمؤيدين في مواجهة ساحات المعارضة، ليعبر كل طرف عن موقفه من خلال حشود صلوات الجمعة، مشددًا على أن هذا التحرك كان حراكًا شعبيًا لكوادر الحزب وليس تحركًا رسميًا من مؤسسات الدولة.
ورغم أن المواجهات مع الأمن بدأت محدودة، إلا أن البلاد فُجِعت لاحقًا بحادثة جمعة الكرامة التي راح ضحيتها نحو 40 شخصًا، والتي وصفها بالكارثة التي ما كان ينبغي أن تقع، مؤكدًا أن الروايات والمعلومات حول المسؤول عنها لا تزال متضاربة تمامًا، وأن أزمة غياب الثقة المتبادلة بين السلطة والمعارضة أفشلت لجان التحقيق آنذاك، لتظل الحقيقة عهدة في ذمة التاريخ.
وكشف "القربي" أن المبادرة الخليجية بدأت كفكرة طرحها بنفسه خلال اجتماع وزراء الخارجية الخليجيين في أبو ظبي في أبريل من العام نفسه، وتكفل بإقناع الرئيس صالح بها بعد تردد خليجي.
وأضاف أنه صاغ مسودة أولية سلمها لوزير الخارجية العماني آنذاك يوسف بن علوي لتبنيها كأطروحة خليجية، لتبدأ بعدها جولات تفاوضية تعثرت لثلاثة أشهر بسبب رفض صالح التوقيع بصفته رئيسًا للدولة في مواجهة أحزاب سياسية.
وروى "القربي" كواليس يوم استهداف صالح في جامع النهدين، مؤكدًا أن قادة الدولة حسموا قرار التوقيع على المبادرة في الرياض خلال اجتماع صباحي سبقت الانفجار بساعات، وطلب منه صالح إبلاغ الأمير سعود الفيصل بموعد التوقيع، ليتوجه القربي بعدها لحضور حفل زفاف أحد أقاربه بينما توجه الرئيس ورفاقه إلى الجامع حيث وقع الانفجار، مشيرًا إلى أن الحادث ترك أثرًا نفسيًا بليغًا على صالح وعطل التوقيع لشهور لتلقي العلاج في السعودية، دون أن يغير من قرار المضي في الحل السياسي.
المرحلة الانتقالية
أشار "القربي" إلى أن صالح نقل صلاحياته بموجب المبادرة إلى نائبه عبدربه منصور هادي لإدارة الدولة كمكلف بالمرحلة الانتقالية؛ تمهيدًا للانتخابات وليس كرئيس فوري للجمهورية.
ورغم التوافق المحلي والدولي على اختيار هادي، إلا أن الحساسيات بدأت تظهر رغبة من صالح في الاحتفاظ بالتأثير، في مقابل توجه هادي لتهميش دور حزب المؤتمر لتجنب اتهامه بالانحياز، ما أوقف الاجتماعات التنظيمية وأحدث شقاقًا داخليًا.
وزاد من تعقيد المشهد آلية اتخاذ القرار بالتوافق في حكومة الوفاق الوطني المناصفة، ما عرقل العديد من القرارات الاقتصادية، ومنها قرار رفع الدعم عن المشتقات النفطية الذي استغلته جماعة أنصار الله "الحوثيين" لتحريك الشارع، وانتهى باستقالة رئيس الوزراء.
وذكر القربي أنه عارض منذ البداية صياغة دستور جديد، ودعا للاكتفاء بتعديل الدستور النافذ لتجنب الدخول في متاهات سياسية، إلا أن موقفه قوبل بالرفض.
وأكد أن خيار النظام البرلماني حصل على تأييد قارب 99% من فريق بناء الدولة، لكنه لم يبلغ نسبة الـ70% المشروطة في اللائحة، ليرفع الملف إلى لجنة التوفيق ويتم اعتماد النظام الرئاسي بناء على رغبة "هادي".
وشهد اليوم الأخير للمؤتمر واقعة دراماتيكية باغتيال الدكتور أحمد شرف الدين، ما دفع "هادي" لدعوة المكونات لإقرار مشروع المخرجات دفعة واحدة ودون مناقشة بنوده مادة بمادة خشية انهيار المسار كاملًا.
فصل النهاية
وحمل "القربي" المسؤولية للرئيسين صالح وهادي قائلًا إن الاثنين أخطآ واليمن دفع الثمن، حيث أخطأ "صالح" في عدم استكمال بناء الجيش على أسس وطنية ومؤسسية، بينما أخطأ "هادي" في طريقة إعادة الهيكلة وتغيير القيادات العسكرية وتوزيعها جغرافيًا، ما أحدث خلخلة عميقة عجلت بانهيار الجيش كقوة جامعة.
وأضاف أن سيطرة "أنصار الله" لاحقًا على السلطة تبعها إنهاء لوجود القيادات الأمنية السابقة عبر الإبعاد والتضييق وإعادة تشكيل الوحدات.
واستذكر فصل النهاية للرئيس الأسبق، حيث كان موجودًا في مسقط يتابع اندلاع المواجهات في صنعاء بين قوات صالح وأنصار الله، مشيرًا إلى أن الكفة مالت في اليوم الأول لصالح قوات صالح، وفشلت محاولات التهدئة، قبل أن تنقلب موازين المعركة كليًا في اليوم التالي لصالح أنصار الله، وتنتهي الأحداث بمقتل الرئيس علي عبدالله صالح، ليعقب القربي على هذه الخاتمة التاريخية بقوله "فقضى الله أمرًا كان مفعولًا".
لم يخفِ "القربي" مشاعر الحزن العميق التي تملكته عقب مقتل "صالح"، مؤكدًا أن طبيعته الإنسانية تجعله يحزن على مقتل أي رئيس دولة عربي، فكيف برئيس ربطته به علاقة امتدت لنحو 14 عامًا من العمل السياسي والدبلوماسي المشترك، ما جعل وقع الخبر عليه أكثر تأثيرًا وعمقًا.
ولفت "القربي" إلى عدم جدوى الخوض في افتراضات حول ما إذا كان بقاء صالح سيغير مسار الأحداث أو أن غيابه كان سيحل الأزمة اليمنية، معتبرًا أن هذه التقديرات تندرج في إطار التنبؤات التي يصعب الجزم بها، نظرًا لتعقد الظروف وتداخلها بشكل لا يسمح ببناء استنتاجات قاطعة.
وكشف وزير الخارجية الأسبق أنه لم يعد إلى اليمن بعد مقتل صالح، موضحًا أن إقامته خارج البلاد منذ عام 2015 جاءت بقرار شخصي منه، رغبة في الحفاظ على مساحة حرية واسعة للتحرك السياسي، والمساهمة في تقديم الأفكار والمبادرات الهادفة لإنقاذ الوطن.
وأشار إلى أنه وظف وجوده في الخارج لمواصلة الانخراط في الجهود الدبلوماسية الرامية لحل الأزمة، عبر التواصل المستمر مع الأطراف الدولية المعنية، والمشاركة الفاعلة في محطات التفاوض الرئيسية في جنيف والكويت، فضلًا عن لقاءاته المتواصلة مع السفراء والمسؤولين الدوليين الفاعلين في الملف اليمني.