الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

دون طلقة واحدة.. الصين الرابح الأكبر من الحرب الأمريكية الإيرانية

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الصيني شي جين بينج ونظيره الأمريكي دونالد ترامب

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

كانت أربعة أشهر من الحرب بين الولايات المتحدة وإيران كفيلة بإعادة رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط، غير أن المفاجأة الكبرى لم تكن على أرض المعركة، بل في بكين التي راقبت وحسبت وخرجت بمكاسب إستراتيجية دون أن تُطلق رصاصة واحدة، فبعد أن وقعت واشنطن وطهران مذكرة تفاهم لإنهاء النزاع وإعادة فتح مضيق هرمز، باتت تساؤلات المحللين تتمحور حول سؤال واحد، من هو الرابح الحقيقي من هذه الحرب؟ وتتقاطع تحليلات مجلتَي فورين بوليسي ونيوزويك الأمريكيتين في إجابة واحدة، وهي الصين.

بكين تُعيد بناء نفوذها في طهران الجديدة

تشير مجلة فورين بوليسي إلى أن بكين لم تنتظر المعارك لتحجز مقعدها في المشهد الإيراني الجديد، إذ تحركت الصين بخطى متسارعة لتوطيد علاقاتها مع مراكز القوى الناشئة في طهران، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني، الذي بات الفاعل الأكثر نفوذًا في المشهد الداخلي.

وبينما كانت بكين تحتفظ تاريخيًا بعلاقات أوثق مع المؤسسة السياسية الإيرانية، فإنها تسعى الآن إلى وسيط موثوق قادر على فتح قناة مباشرة مع القيادة الجديدة، ولا تستبعد المجلة أن تستضيف بكين شخصيات بارزة من الحرس الثوري قبل نهاية العام الجاري.

وعلى الجانب الدبلوماسي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانج يي، جولات مكوكية مع الدبلوماسيين الإيرانيين طوال أشهر النزاع، وهو ما دفع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الإشادة علنًا، بحسب نيوزويك، بالدور الصيني "البنّاء" في تعزيز مسار المفاوضات.

وقد وظفت بكين هذا الحضور الدبلوماسي توظيفًا دعائيًا مدروسًا، إذ حرص مسؤولوها على المقارنة بين موقفهم الداعي إلى الحوار وما وصفوه بالتهور الأمريكي الإسرائيلي الذي أشعل المنطقة وزعزع أسواق الطاقة العالمية.

ويرى هنري وانج، رئيس مركز الصين والعولمة في بكين، أن هذه الحرب "أرست سابقة خطيرة وهدمت ثمانين عامًا من النظام العالمي"، في خطاب موجَّه بالدرجة الأولى إلى دول الجنوب العالمي التي نظرت بعين ريبة إلى التدخل العسكري.

صدمة الطاقة

توضح مجلة فورين بوليسي أن الحرب اختبرت نقطة الضعف الأكثر حساسية في الاقتصاد الصيني، إذ تعتمد بكين على منطقة الخليج لتأمين نحو 40% من احتياجاتها النفطية وقرابة ثلث وارداتها من الغاز الطبيعي المسال.

وحين أغلق مضيق هرمز أبوابه وتوقفت الشحنات، توقع كثير من المحللين أن تُعاني الصين اضطرابًا اقتصاديًا حادًا، غير أن ما جرى كان مختلفًا تمامًا.

وبحسب نيوزويك، تمكنت بكين من امتصاص الصدمة عبر احتياطياتها الإستراتيجية المُقدَّرة بنحو 1.2 مليار برميل، فضلًا عن تخفيض طاقة التكرير وسنوات من سياسات تنويع مصادر الطاقة.

وفي المقابل، اضطرت اليابان وكوريا الجنوبية إلى استنزاف مخزوناتهما الطارئة للتعامل مع الأزمة.

وتُضيف فورين بوليسي أن الواردات الصينية من النفط تراجعت من نحو 11.6 مليون برميل يوميًا عام 2025 إلى 7.8 مليون في مايو الماضي، إلا أن بكين تبقى في وضع مريح يُتيح لها انتظار تراجع الأسعار قبل إعادة ملء مستودعاتها، مع توجه محتمل نحو تعزيز الاستيراد من روسيا وأمريكا اللاتينية.

ولم تكتفِ الصين بالصمود، بل حولت الأزمة إلى فرصة دبلوماسية، إذ عمدت مصافيها إلى تصدير منتجات نفطية كالوقود الجوي والديزل إلى أسواق إقليمية تعاني شُحًا في الإمدادات، من بينها الفلبين المحسوبة على واشنطن، مما أتاح لبكين بناء رصيد من النوايا الحسنة في لحظة كانت فيها الدول تتهافت على البحث عن موردين موثوقين.

كما جاءت الأزمة لتُعزز الرواية الصينية حول ضرورة التحول نحو الطاقة النظيفة، إذ إن ارتفاع أسعار النفط جعل التحوّل نحو السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة خيارًا اقتصاديًا أكثر جاذبية على المستوى العالمي، وصب في مصلحة المصنعين الصينيين الذين يهيمنون على أسواق السيارات الكهربائية دوليًا، حيث شهدت صادرات المركبات الصينية ارتفاعًا ملحوظًا خلال فترة النزاع.

تايوان والترسانة الأمريكية

على الصعيد الإستراتيجي، تُنبه فورين بوليسي إلى أن الصين ستُصعد عملياتها الاستخباراتية الرقمية والبشرية لرصد مدى قدرة الولايات المتحدة على إعادة بناء مخزوناتها من الأسلحة في أعقاب الحرب، مستغلةً ما تصفه المجلة بأنه "أضعف مرحلة شهدتها الاستخبارات الأمريكية منذ عقود".

وتلفت نيوزويك نقلًا عن رايان هاس، مدير مركز الصين في مؤسسة بروكينجز، إلى أن الخلافات العلنية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين ودول الخليج حول شرعية الحرب وتداعياتها الاقتصادية، كشفت تصدعات قد تمتد إلى ملفات أخرى، مضيفًا أن هذه التصدعات "تمنح الصين قدرًا من الارتياح".

وتُشير كوري شاك، الباحثة في معهد أمريكان إنتربرايز، إلى أن الولايات المتحدة باتت تبدو "بلا رحمة وأقل قدرة على التنبؤ أو الكفاءة الإستراتيجية مقارنةً بالصين".

أما الرسالة الأكثر خطورة، فتتعلق بتايوان، إذ تُوظف بكين نتيجة الحرب حجةً دعائية مفادها أنه "إذا عجزت واشنطن عن حسم النزاع مع قوة إقليمية كإيران رغم تفوقها العسكري الهائل، فهل ستكون مستعدة أو قادرة على خوض مواجهة أوسع بكثير قرب السواحل الصينية؟".