قال الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، إنه يحضر مجلس الجامعة الموقر للمرة الأخيرة، بعد أن تشرف لعشر سنوات بحمل المسؤولية التي وضعها القادة العرب على كاهله، مُؤكدًا أنه شرف لا يضاهيه شرف في خدمة الأمة العربية وتجسيد مصيرها المشترك.
جاء ذلك في كلمة تاريخية ألقاها أبو الغيط، خلال الجلسة الافتتاحية لأعمال الدورة العادية المستأنفة "165" لمجلس الجامعة على المستوى الوزاري، المنعقدة بالعاصمة الأردنية عمّان، برئاسة وزير خارجية مملكة البحرين، الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني، إذ اتسمت الكلمة بالمصارحة والمكاشفة السياسية.
تشخيص الواقع العربي
وأوضح "أبو الغيط" في كلمته أن المشهد العربي الراهن ليس في أفضل حالاته، مُشيرًا إلى وجود مواطن ضعف ومكامن خطر تستدعي اليقظة والتخوف الشديد على مستقبل المنطقة.
وحذّر من أن المنطقة العربية رغم غناها بطاقات الشباب وإمكانات التفوق لا تزال محاطة بـ"حزام من النار" يهدد استقرارها ويستهدف مقدراتها، ويحرمها من تحقيق المكانة العظمى التي تستحقها عالميًا.
واستعرض الأمين العام التحديات الجسام التي عايشها منذ توليه منصبه، منتصف عام 2016، التي جاءت عقب سنوات قليلة من أحداث عام 2011، وعصفت باستقرار عدة دول.
ورسم صورة قاسية للتبعات المستمرة لتلك الأحداث، من حروب دامية، وانقسامات داخل الوطن الواحد، وصولًا إلى مأساة تشريد الملايين وتحول اللجوء العربي إلى ظاهرة عالمية قاسية تنشأ فيها أجيال كاملة تحت أصوات البنادق والمُسيّرات.
التدخلات الإقليمية ومأساة غزة
وتطرق "أبو الغيط" إلى ملف التدخلات الإقليمية، مُستشهدًا بالمحطة الأخيرة المتمثلة في الحرب "الأمريكية-الإسرائيلية" على إيران، وقيام الأخيرة بتصويب نيرانها نحو دول عربية كانت ولا تزال تنشد حسن الجوار القائم على احترام السيادة.
وفي الشأن الفلسطيني، أعرب عن أسفه لأن الزلازل السياسية تسببت في تراجع القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية، مؤكدًا أن العقد الأخير شهد حرب إبادة حقيقية وتطهيرًا عرقيًا كامل الأركان بحق المدنيين في قطاع غزة عبر مخططات مكشوفة للتهجير والطرد.
وشدد على أن إسرائيل ليست دولة مهيمنة بل "دولة معزولة وموصومة أخلاقيًا"، مؤكدًا أنه لا بديل عن "حل الدولتين" كصيغة وحيدة لإحلال السلام.
لا بديل للجامعة العربية
وتابع: "الأمن القومي العربي وصيانته التحدي الأكبر أمامنا، والجامعة العربية الأداة والمنصة المثلى لإجراء حوار حقيقي وشفاف حول أولوياته الإستراتيجية".
وجدد الأمين العام لجامعة الدول العربية، تأكيده القاطع على أنه "لا بديل لجامعة الدول العربية" كعنوان جامع ورمز للمنطقة إن أريد لها أن تبقى معتزة بعروبتها.
وأوضح "أبوالغيط"، أن الجامعة ليست مجرد منتدى سياسي، بل أكبر وأشمل شبكة للتعاون العربي المشترك تشمل مجالات توحيد التشريعات والربط الكهربائي والمواصلات واتفاقيات التعاون الاقتصادي والمناهج التعليمية، وتمثيل الصوت العربي الموحد ككتلة مناظرة للتكتلات الدولية مثل الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي في المحافل الدولية.
رسالة الوداع
وفي ختام كلمته، وجَّه أحمد أبو الغيط، أسمى عبارات الشكر والتقدير لوزراء الخارجية العرب الذين اعتبرهم "رفاق الرحلة"، كما خص بالشكر موظفي الأمانة العامة للجامعة لما أظهروه من إخلاص وكفاءة، داعيًا الله عز وجل أن يوفق الأمين العام الجديد في قيادة الدفة، خلال سنوات وصفها مسبقًا بأنها "ستكون صعبة".
واختتم مستشهدًا بالآية الكريمة: "وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ"، معربًا عن أمله في أن يكون أدى مهمته بقدر ما استطاع مستندًا إلى أجر الاجتهاد.