كشفت صحيفة "واشنطن بوست" أن جهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحويل الهدنة مع إيران إلى اتفاق دائم، تواجه عقبات متشعبة على كل الجبهات، إذ تتمسك طهران بملفها النووي كورقة ضغط أخيرة، وتُحكِم قبضتها على مضيق هرمز، فيما تتصاعد الضربات الإسرائيلية في لبنان، وتتعالى أصوات المعارضة من داخل الحزب الجمهوري ذاته، كل ذلك في غضون ستين يومًا لا تتسع للأخطاء.
هدنة بلا ضمانات
تقف قضية البرنامج النووي الإيراني في صدارة أجندة نائب الرئيس جي دي فانس، الذي توجّه إلى طهران للقاء كبار المسؤولين الإيرانيين؛ سعيًا للتوصل إلى صيغة تضمن عدم امتلاك إيران السلاح النووي مقابل رفع العقوبات عنها.
وأوضحت الصحيفة الأمريكية، أن الهدنة أوقفت المواجهة العسكرية دون أن تُجيب عن السؤال الجوهري، وهو ما القيود التي ستقبل بها طهران على برنامجها النووي؟. وقبيل مغادرته واشنطن، أعلن فانس أن المباحثات ستتمحور حول "ملفين رئيسيين، وهما: النووي الإيراني، وتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان"، مُقِرًّا بأن التوترات الميدانية باتت "مسألة تستوجب إدارة متواصلة".
إيران أقوى مما كانت
توضح الصحيفة الأمريكية أن ما يُقلق الإدارة الأمريكية أن ميزان القوى تبدّل، إذ إنه قبل الحرب، كان الخوف من ضربة أمريكية يُلقي بظلاله على قرار طهران، لكن النظام الإيراني أثبت متانته حتى بعد اغتيال مرشده الأعلى علي خامنئي في الثامن والعشرين من فبراير.
وأوضح الخبير في الشأن الأمريكي-الإسرائيلي، آرون ديفيد ميلر، الذي أسدى المشورة لإدارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة، أن طهران "لم تنجُ فقط، بل أبقت النظام متماسكًا"، مضيفًا أن واشنطن "أضعفت ردعها أمام إيران بصورة بالغة".
وتجلّى ذلك في جملة تنازلات قدّمها ترامب لفتح باب التفاوض، تشمل تخليه عن مطلب تغيير النظام، وتفهمه لحاجة إيران إلى الصواريخ الباليستية، وتلويحه بأنه لن يُجازف بما قد يُهدد مسار الأسواق المالية الصاعدة، وهي تنازلات تحولت فورًا إلى ذخيرة في يد منتقديه.
الكارت الذي لا تتركه طهران
على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار، أبقت إيران قبضتها على مضيق هرمز سلاحًا مُشهَرًا، إذ أثبتت طهران، وفق ما نقلته واشنطن بوست عن شركة كيبلر للتتبع البحري، قدرتها على تقليص حركة الملاحة من 130 سفينة يوميًا إلى 20 فحسب، باستخدام الألغام والمُسيّرات، دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة، إذ يكفي التهديد وحده لدفع ربابنة السفن إلى تفادي المضيق ورفع شركات التأمين أسعارها.
وقد رد ترامب بإعلانه، عبر منصات التواصل، رفضه لأي رسوم عبور إيرانية خلال الأيام الستين للهدنة، مهددًا بفرض رسوم أمريكية مقابل "الخدمات المُقدَّمة كملاك حارس للمنطقة"، رغم أن واشنطن لا تملك آلية فعلية لتحصيل تلك الرسوم.
وكان ترامب قد صرّح بأن هواجسه من أسعار الطاقة العالمية كانت أحد أبرز دوافعه للإسراع نحو الاتفاق.
جمهوريون يكسرون الصمت
الضغط لا يأتي من الخارج فحسب، ففي الداخل الأمريكي، كشف استطلاع "فوكس نيوز" أن 58% من الناخبين يعتقدون أن الضربة العسكرية في فبراير كانت خطًأ، فيما بلغت نسبة الموافقة على أداء ترامب في الملف الإيراني 35% فقط.
وانضم إلى هذه الانتقادات مقدم "فوكس آند فريندز"، براين كيلميد، المعروف بولائه لترامب، الذي استنكر إقصاء إسرائيل من المفاوضات، قائلًا: "لم تكن في غرفة التفاوض أصلًا، وفجأة وجدت نفسها مُقيّدة بالاتفاق".
وتزداد الصورة تعقيدًا مع تواصل الضربات الإسرائيلية على مواقع حزب الله في لبنان، ردًا على هجمات الجماعة المسلحة التي أدت إلى مقتل أربعة جنود إسرائيليين في كمين بجنوب لبنان، فيما حذرت أجهزة الاستخبارات الأمريكية من أن تل أبيب ربما تسعى إلى تقويض الاتفاق برمته.
والمفارقة أن بنود الاتفاق تضع واشنطن في موقف مَن يأخذ جانب طهران في مواجهة حليفتها إسرائيل، حين تُلزِم إيران بوقف هجمات حزب الله، وهو التزام تبقى آليات تطبيقه غامضة حتى الساعة، فيما تتكاثر التساؤلات عما ستبدو عليه المنطقة حين تنتهي الأيام الستون.