هناك فنانون يرحلون فتظل أعمالهم، وهناك فنانون تتحول أعمالهم إلى جزء من ذاكرة الشعوب، لكن قلة قليلة فقط تنجح في أن تصبح حالة إنسانية وفنية تتجاوز الزمن. ومن بين هؤلاء كانت سعاد حسني؛ الفنانة التي لم تكن مجرد نجمة سينمائية، بل ظاهرة مصرية استثنائية صنعت وجدان أجيال كاملة، حتى بدا رحيلها وكأنه غياب للجسد فقط، بينما بقيت حاضرة بصورتها وصوتها وابتسامتها وأدوارها التي لا تزال تنبض بالحياة.
ورغم مرور نحو خمسة وعشرين عامًا على رحيلها (21 يونيو 2001)، ما زالت "السندريلا" كالفراشة في حياتنا.. لم يزل أثرها مهما مر الزمن، تحتفظ بمكانتها الخاصة في قلوب الملايين في مصر والعالم العربي. فما إن تظهر على الشاشة حتى تستعيد ذاكرتنا زمنًا كاملًا من البهجة والدفء والجمال. كانت الفتاة البريئة والمشاكسة، والحبيبة الحالمة، والمرأة القوية، والفنانة القادرة على التنقل بسلاسة نادرة بين الأدوار والشخصيات، حتى أصبحت رمزًا فنيًا يصعب تكراره.
ولم يكن والدها، الخطاط الشهير محمد حسني البابا، يتوقع أن تخرج من بين أبنائه الستة عشر فتاة ستصبح واحدة من أهم أيقونات السينما العربية. فمن حي بولاق الشعبي بالقاهرة، بدأت رحلة سعاد حسني (المولودة في 26 يناير 1943) داخل أسرة ارتبطت بالفن والإبداع، إذ ورثت موهبتها عن عائلة عُرفت بحب الفن، كما كان جدها صاحب شهرة واسعة في بلاد الشام، ليس فقط كخطاط بارع، بل أيضًا كأحد الأصوات المعروفة في عصره.
ظهرت موهبة سعاد حسني في سن مبكرة للغاية. فقبل أن تتجاوز الثالثة من عمرها، شاركت في البرنامج الإذاعي الشهير "بابا شارو"، وغنت عبارتها الشهيرة: "أنا سعاد أخت القمر.. بين العباد حسني اشتهر"، وهي الكلمات التي حفظها الكبار والصغار ورددوها لسنوات طويلة، لتعلن مبكرًا عن ميلاد موهبة استثنائية قادرة على خطف القلوب منذ اللحظة الأولى.
محطات صنعت مجدها
جاءت الانطلاقة الحقيقية مع فيلم "حسن ونعيمة"، الذي مثّل أول بطولة سينمائية لها أمام الفنان محرم فؤاد عام 1959، ليشكّل نقطة تحول فارقة في حياتها الفنية ويفتح أمامها أبواب النجومية الواسعة.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت سعاد حسني الرهان الأهم لصنّاع السينما المصرية، ونجحت خلال مسيرة امتدت لعقود في تقديم أكثر من 80 فيلمًا سينمائيًا، تاركة بصمة خاصة في كل عمل شاركت فيه. وكان فيلم "الراعي والنساء" أمام الفنان أحمد زكي عام 1991 آخر أعمالها السينمائية، ليكون الفصل الأخير في رحلة فنية استمرت أكثر من ثلاثة عقود، قبل رحيلها بنحو عشر سنوات.
وخلال مسيرتها مرت السندريلا بمراحل فنية متعددة. ففي بداياتها اشتهرت بأدوار الفتاة المرحة والشقية، وارتبط اسمها بالأفلام الغنائية والاستعراضية التي جمعت بين التمثيل والرقص والغناء، مثل "البنات والصيف"، و"عائلة زيزي"، و"الزواج على الطريقة الحديثة".
ومع نضج تجربتها الفنية، اتجهت إلى الأعمال الأكثر عمقًا وقربًا من قضايا المجتمع والإنسان، فكان تألقها اللافت في أفلام مثل "القاهرة 30"، و"شفيقة ومتولي"، و"موعد على العشاء"، و"حب في الزنزانة" أمام عادل إمام، و"غريب في بيتي" مع نور الشريف، وصولًا إلى "الراعي والنساء". وقد نجحت في تطويع اختياراتها الفنية بما يتناسب مع تطور مراحلها العمرية، وهو ما حافظ على مكانتها الاستثنائية لدى الجمهور والنقاد على حد سواء.
ولم تتوقف تجربتها عند حدود السينما المصرية، بل شاركت في أعمال عربية ودولية عدة، من بينها الفيلم العراقي "القادسية" عام 1981، والفيلم المصري السوفييتي "الناس والنيل"، والفيلم المغربي "أفغانستان لماذا؟".
ثنائيات صنعت جدلًا
وعلى الرغم من نجاحاتها السينمائية الكبيرة، فإن تجربة سعاد حسني في الدراما التلفزيونية ظلت محدودة للغاية، إذ قدمت طوال مشوارها مسلسلًا تلفزيونيًا واحدًا فقط هو "هو وهي"، الذي تحول إلى أحد أشهر الأعمال في تاريخ الدراما العربية.
كما تركت بصمة مميزة في الإذاعة من خلال أعمال ناجحة عدة، من بينها "لا شيء مهم"، و"نادية"، و"الحب الضائع"، و"أيام معه"، و"النورس"، و"من أنا؟".
وعلى المستوى الشخصي، شكّلت علاقتها بالفنان الراحل عبد الحليم حافظ واحدة من أكثر القصص إثارة للجدل في الوسط الفني. فإلى اليوم ما زال الجدل قائمًا حول طبيعة العلاقة التي جمعت بينهما، بعدما أكد البعض زواجهما، في حين نفت أسرة العندليب هذه الرواية.
وتزوجت سعاد حسني خلال حياتها من المخرج صلاح كُريّم، ثم من المخرج علي بدرخان الذي استمر زواجهما نحو 11 عامًا، كما ارتبطت لفترة قصيرة بالفنان زكي فطين عبد الوهاب، وتزوجت أيضًا من كاتب السيناريو ماهر عواد، لكنها لم تُرزق بأبناء طوال حياتها.
رحيل تحول إلى لغز
وفي عام 2001، تلقت الجماهير العربية صدمة قاسية بخبر وفاة سعاد حسني في العاصمة البريطانية لندن، بعدما سقطت من شرفة المنزل الذي كانت تقيم فيه.
ومنذ اللحظة الأولى، أثارت وفاتها موجة واسعة من التساؤلات والجدل، وانقسمت الآراء بين من اعتبرها وفاة طبيعية ومن رأى أن هناك ملابسات غامضة تحيط بالحادث. وظل الملف مفتوحًا في ذاكرة محبيها لسنوات طويلة، إلى درجة دفعت الفنان المصري الراحل سمير صبري إلى تقديم سلسلة من الحلقات الاستقصائية بحثًا عن الحقيقة الكاملة وراء رحيلها.
لكن، وبرغم كل ما أثير حول نهاية السندريلا، بقيت الحقيقة الأكثر رسوخًا أن سعاد حسني لم تغب عن جمهورها يومًا. فبعد ربع قرن تقريبًا على رحيلها، ما زالت أفلامها تُشاهد، وأغانيها تُردد، وابتسامتها تضيء الشاشات، وكأنها تؤكد في كل مرة أن بعض النجوم لا يرحلون أبدًا.