تتواصل ردود الفعل والتحليلات بشأن مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط ترقب إقليمي ودولي لنتائج المرحلة المقبلة من المفاوضات الممتدة لـ60 يومًا.
وبينما تتمسك طهران بمبدأ "التزام مقابل التزام" لضمان تنفيذ التعهدات المتبادلة، يرى خبراء ومحللون أن نجاح الاتفاق لن يقاس بحجم التصريحات السياسية المتبادلة، بل بمدى التزام الأطراف بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار وتخفيف التوترات في الشرق الأوسط.
وأكد نعمان توفيق العابد، الدبلوماسي الفلسطيني السابق والباحث في العلاقات الدولية، أن تمسك إيران بمبدأ "التزام مقابل التزام" خلال المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة يعكس حالة من عدم الثقة المتراكمة لدى طهران نتيجة تجارب سابقة شهدت، من وجهة نظرها، عدم التزام واشنطن الكامل بتعهداتها.
اتفاق مستقبلي
وقال العابد، في تصريحات لقناة "القاهرة الإخبارية"، إن إيران ترفض الاستمرار في تنفيذ أي التزامات بشكل أحادي، وتصر على أن يقابل كل إجراء تتخذه خطوات مماثلة من الولايات المتحدة وحلفائها وفق ما يتم الاتفاق عليه، مضيفًا أن طهران تسعى من خلال هذا النهج إلى ضمان عدم تكرار تجارب سابقة شهدت التزام طرف ببنود الاتفاق مقابل تعثر تنفيذ الالتزامات المقابلة، مشيرًا إلى أن التجربة الفلسطينية مع اتفاق أوسلو تُطرح في هذا السياق كمثال على غياب التوازن في تنفيذ التعهدات بين الأطراف.
وشدد الباحث في العلاقات الدولية على أن هذا الموقف يمثل بالنسبة لإيران ضمانة أساسية للحفاظ على مصالحها ومنع تحول أي اتفاق مستقبلي إلى التزامات أحادية الجانب، خاصة في ظل استمرار المخاوف المرتبطة بمستقبل التفاهمات القائمة، مضيفًا أن التصريحات الحادة والتهديدات المتبادلة بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين لا تعكس بالضرورة وجود رغبة حقيقية في التصعيد، وإنما تأتي في إطار رسائل سياسية موجهة إلى الرأي العام الداخلي في كلا البلدين.
وأضاف، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إلى تقديم الاتفاق باعتباره إنجازًا وانتصارًا للسياسة الأمريكية، بينما تحرص إيران على التأكيد لجمهورها الداخلي أنها لم تقدم تنازلات مجانية وأنها حافظت على حقوقها ومصالحها.
وأوضح "العابد" أن الخطاب السياسي المتبادل بين الطرفين يرتبط في جزء كبير منه باعتبارات داخلية وحسابات تتعلق بإدارة الرأي العام، أكثر من ارتباطه بمؤشرات فعلية على انهيار مسار التفاهم أو العودة إلى التصعيد، مؤكدًا أن نجاح مذكرة التفاهم لن يقاس بحجم التصريحات أو التهديدات المتبادلة، وإنما بمدى التزام الأطراف بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه خلال المرحلة المقبلة، مشددًا على أن التطبيق العملي لبنود التفاهم سيكون العامل الحاسم في تحديد مستقبل العلاقات والمفاوضات بين واشنطن وطهران.
خطوة مهمة
من جانبه، أكد الخبير الاستراتيجي ماثيو هارت أن توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، سواء جرى بشكل مباشر أو افتراضي، يمثل خطوة مهمة على طريق تطبيع العلاقات بين البلدين وتهيئة الأجواء لتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
وقال "هارت" في تصريحات لقناة "القاهرة الإخبارية"، إن المرحلة الحالية تشهد تحركات مهمة من الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، بهدف ضمان نجاح فترة المفاوضات الممتدة لـ60 يومًا وتحويلها إلى فرصة حقيقية لخفض التوترات الإقليمية.
وأضاف أن نجاح هذه الجهود يرتبط بالتزام جميع الأطراف بالقانون الدولي، مشيرًا إلى أهمية أن تلتزم إيران وإسرائيل بالمسؤوليات المترتبة عليهما، إلى جانب ضرورة أن تنجح واشنطن في بناء حوار بنّاء مع تل أبيب يدعم مسار الاستقرار، مشددا على أن مذكرة التفاهم الحالية قد تشكّل نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية إذا ما التزمت الأطراف بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه خلال الفترة المقبلة.
مسار المفاوضات
كما أعرب الخبير الاستراتيجي ماثيو هارت عن تفاؤله بمسار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران خلال فترة الستين يومًا المقبلة، مؤكدًا أن هذه المرحلة قد تفتح الباب أمام مفاوضات أكثر جدية تسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي.
وأضاف، أن عملية التفاوض تمر بمرحلتين أساسيتين، تبدأ الأولى بتوقيع مذكرة التفاهم، ثم الانتقال إلى مرحلة المفاوضات التفصيلية التي تحدد آليات التنفيذ والالتزامات المتبادلة.
وأوضح أن الاتفاق الحالي يختلف عن الاتفاقات التي أُبرمت مع الإدارات الأمريكية السابقة، لافتًا إلى أن أي أموال مخصصة لإعادة الإعمار داخل إيران لن يتم الإفراج عنها بصورة فورية، وإنما وفق آليات مرتبطة بتقييم مدى التزام طهران بتنفيذ تعهداتها، مؤكدا أن الوصول إلى شرق أوسط أكثر استقراراً يتطلب التزاماً كاملاً من الجانب الإيراني ببنود التفاهم، مشيرًا إلى أن التجارب السابقة شهدت، بحسب رؤيته، إشكاليات مرتبطة بتنفيذ الالتزامات، وهو ما يجعل الالتزام العملي خلال المرحلة الحالية عاملًا حاسمًا في نجاح الاتفاق واستمرار مسار التهدئة.