كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، أن مسؤولين إسرائيليين لم يتفاجأوا بالنص الكامل لمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، التي أُعلنت أمس الأربعاء، لكنهم وصفوها في تصريحات خاصة بأنها مخيبة للآمال وتنطوي على إشكاليات جوهرية من منظور إسرائيل، رغم أن اسمها لم يرد صراحة في النص.
وبحسب الصحيفة، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، بعد منتصف الليل بدقائق، أن الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان وقعا "إلكترونيًا" على النص النهائي، فيما نقل موقع "أكسيوس" الأمريكي، أن الاتفاق دخل حيز التنفيذ فور التوقيع المتجدد.
مكاسب اقتصادية ونووية مؤجلة لطهران
أكد مسؤولون تحدثوا للصحيفة العبرية، بشرط عدم الكشف عن هويتهم، أن الاتفاق الناشئ "لا يلبي تطلعات إسرائيل"، كما تضع المذكرة إطارًا لمفاوضات مقبلة بين واشنطن وطهران تشمل تخفيف العقوبات والملف النووي ووقف العمليات العسكرية على جبهات متعددة، علمًا أن ترامب أوضح أن مهلة التفاوض المحددة بـ60 يومًا ليست نهائية إذا "أحسنت إيران التصرف".
وأبرز ما أثار قلق المسؤولين الإسرائيليين، بحسب يديعوت أحرونوت، هو المادة العاشرة التي تنص على أن وزارة الخزانة الأمريكية ستصدر فور التوقيع تصاريح تسمح بتصدير النفط الخام والمشتقات النفطية الإيرانية، مع خدمات مصرفية وتأمينية ولوجستية مرتبطة، وهو ما يمنح طهران مليارات الدولارات قبل تقديم تنازلات جوهرية، خصوصًا مع احتمال الإفراج عن أصول إيرانية مُجمَّدة بموجب بند آخر.
وفي الملف النووي، تكرر المادة الثامنة تعهد إيران بعدم تطوير أسلحة نووية، لكنها تترك مخزون اليورانيوم المُخصَّب داخل الأراضي الإيرانية ليُعالَج عبر آلية تفاهم مشتركة، بحد أدنى يتمثل في تخفيف تركيزه محليًا تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما تعتبره تل أبيب تراجعًا عن المواقف الأمريكية السابقة التي اشترطت إخراج اليورانيوم بالكامل، خصوصًا أن التقديرات الإسرائيلية ترى أن طهران سترفض التنازل عن مخزونها أو وقف التخصيب كليًا، رغم تلميح ترامب الأخير بقبول تخصيب محدود منخفض المستوى.
مصير حزب الله
تعلن المادة الأولى من المذكرة وقفًا دائمًا للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، مع التزام الطرفين وحلفائهما بصون سيادته وسلامة أراضيه، وهو ربط يرى مسؤولون إسرائيليون، بحسب يديعوت أحرونوت، أنه قد يوفر حماية غير مباشرة لحزب الله من ضغوط مستقبلية.
ومع ذلك، يلاحظ المسؤولون أن النص لا يفرض انسحابًا إسرائيليًا فوريًا من جنوب لبنان، بل يترك أي ترتيب نهائي لمفاوضات قد تمتد لما بعد الـ60 يومًا، وأن الحكومة اللبنانية نفسها تعارض ربط الملفين خشية أن يكتسب حزب الله حصانة فعلية.
وعلى الجبهة الإيرانية، اعتبر المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي أن استمرار ما وصفه باحتلال "الكيان الصهيوني" لأراضٍ لبنانية يُعد خرقًا للمذكرة "وستُتخذ التدابير اللازمة"، في حين أبلغ الجيش الإسرائيلي القيادة السياسية بثلاث أولويات عسكرية، وهي الحفاظ على حرية العمل في لبنان، وإبقاء منطقة عازلة شمال الحدود، واستمرار نزع سلاح الجنوب اللبناني، وهو الهدف الذي وجه العمليات البرية الإسرائيلية الأخيرة.
وتشير الصحيفة العبرية إلى أنه من المتوقع استمرار المفاوضات مع بيروت وعقد جولة خامسة من المحادثات في واشنطن الأسبوع المقبل، وسط ترقب إسرائيلي لضغوط متزايدة لتجنب أي ضربات في الجنوب اللبناني إلا في حالات الدفاع عن النفس.
إيران الرابح الأكبر
نقلت "يديعوت أحرونوت" عن مسؤول إسرائيلي قوله، إن "إيران هي الرابح الأكبر وإسرائيل خسرت المواجهة"، مضيفًا أن تراجع البورصة يعكس خيبة الآمال من تحول إسرائيل إلى "كيس ملاكمة العالم" بعد أن كانت تنتظر أن تصبح مركز الاستثمار الإقليمي، في وقت سيصعب فيه على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معارضة الانسحاب من لبنان مع تصاعد الضغوط.
وفي المقابل، رأى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن طهران تدخل المفاوضات من موقع قوة، قائلًا إن قواتها "هزمت أمريكا والكيان الصهيوني"، وأن أثر التطورات الإقليمية سيكون عالميًا.
وحذر مسؤولون دفاعيون إسرائيليون، حسب الصحيفة، من أن أكبر ضرر يلحق بصورة إسرائيل وقدرتها على الردع مستقبلًا، مرجحين خسارة تأثيرها في الانتخابات الأمريكية بعد عامين، مع تسليمهم بأن الاتفاق قد يؤخر البرنامج النووي الإيراني من 10 إلى 15 سنة، ويُجبر طهران على إعادة البناء الداخلي، لكنهم حملوا غياب الاستراتيجية والتعويل الكامل على ترامب مسؤولية الهوة بين الواقع والخطاب السياسي.