بعد سنوات من الترويج له باعتباره حجر الأساس لمستقبل القوة العسكرية الأوروبية، تلقى مشروع المقاتلة الأوروبية من الجيل السادس ضربة قاسية مع الإعلان عن توقف برنامج تطوير الطائرة ضمن مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي، الذي كان يمثل أحد أبرز رموز التعاون الدفاعي بين فرنسا وألمانيا.
المشروع الذي قدرت تكلفته بنحو 100 مليار يورو، كان يهدف إلى تطوير مقاتلة متقدمة قادرة على منافسة الطائرة الأمريكية الشهيرة F-35، إلى جانب شبكة قتالية رقمية متطورة وطائرات مسيّرة ترافق المقاتلة أثناء العمليات العسكرية. لكن الخلافات الصناعية والتقنية بين باريس وبرلين أدت في النهاية إلى انهيار الجزء الأهم من المشروع: الطائرة نفسها.
مشروع ولد وسط خلافات
ومنذ إطلاقه عام 2017، شكّك كثير من الخبراء في قدرة المشروع على النجاح. ففرنسا وألمانيا لم تتفقا منذ البداية على مواصفات الطائرة المطلوبة.
فرنسا، التي تمتلك تاريخًا طويلًا في تطوير مقاتلاتها الوطنية مثل "ميراج" و"رافال"، كانت تبحث عن طائرة متعددة المهام قادرة على تنفيذ مختلف أنواع العمليات، بما في ذلك العمل من على متن حاملات الطائرات وحمل الأسلحة النووية.
في المقابل، فضّلت ألمانيا مقاتلة تقليدية تركز على التفوق الجوي والاشتباكات الجوية المباشرة، بل إن بعض التصورات الألمانية طرحت إمكانية تقليص دور الطيار البشري في المستقبل.
هذا التباين انعكس على العلاقة بين شركتي التصنيع الرئيسيتين، وهما شركة داسو الفرنسية وشركة إيرباص الأوروبية، اللتين فشلتا في التوصل إلى رؤية مشتركة لتصميم الطائرة.
ولم يكن المشروع مجرد برنامج تسليحي، بل كان يحمل أبعادًا سياسية كبيرة، إذ عُدَّ رمزًا لطموحات أوروبا في بناء استقلال دفاعي وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. غير أن فشل باريس وبرلين في تحديد متطلبات واضحة للمشروع وآليات تنفيذه كشف حدود التعاون الدفاعي الأوروبي، وأظهر أن المصالح الوطنية لا تزال تتغلب على الطموحات المشتركة عندما يتعلق الأمر بالمشروعات العسكرية الكبرى.
ويرى خبراء أن المشروع كان ضحية للتعقيدات السياسية بقدر ما كان ضحية للخلافات التقنية.
هل خسرت أوروبا كثيرًا؟
رغم الضجة التي أثارها توقف المشروع، فإن بعض المحللين لا يرون فيه كارثة استراتيجية. فالتطورات الحديثة في الحروب الجوية جعلت أهمية المقاتلة نفسها أقل من السابق، مقابل تزايد دور الأنظمة الرقمية والطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي.
ولهذا السبب، قد تستمر بعض مكونات المشروع مثل شبكة تبادل المعلومات القتالية والطائرات المسيّرة المرافقة للمقاتلات، وهي تقنيات يعتبرها الخبراء أكثر أهمية في الحروب المستقبلية من الطائرة نفسها.
ويشير محللون إلى أن المقاتلات الحديثة تتحول تدريجيًا من منصات قتالية مستقلة إلى مراكز قيادة جوية تدير أسرابًا من الطائرات غير المأهولة وأنظمة الاستشعار المتقدمة.
وعندما أعلن المشروع قبل نحو عقد من الزمن، كانت أوروبا تركز على تطوير التكنولوجيا العسكرية المتقدمة ومجاراة القوى الكبرى.
أما اليوم، ومع الحرب في أوكرانيا وتصاعد المخاوف الأمنية في القارة، أصبحت الأولوية لزيادة الإنتاج العسكري بسرعة وتوفير مخزونات كافية من الأسلحة والذخائر. ويرى خبراء أن انتظار مقاتلة جديدة حتى عام 2040 لم يعد خيارًا عمليًا في ظل التحديات الأمنية الحالية.
تراجع الثقة في السلاح الأمريكي
وفي الوقت نفسه، تتزايد داخل أوروبا الدعوات إلى شراء الأسلحة الأوروبية بدلًا من الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة، خاصة مع تراجع الثقة السياسية عبر الأطلسي خلال السنوات الأخيرة.
وتظهر بيانات معاهد الأبحاث الدولية أن أوروبا أصبحت أكبر مستورد للأسلحة في العالم، فيما استفادت الشركات الأمريكية بشكل كبير من هذا الطلب المتزايد.
لكن دولًا أوروبية عدة بدأت بالفعل إعادة توجيه إنفاقها الدفاعي نحو الشركات المحلية والقارية. فخطة التسلح الألمانية الجديدة تنص على أن نحو 90% من المشتريات العسكرية ستأتي من مصادر أوروبية، بينما استبعدت الدنمارك شركات أمريكية من بعض العقود الدفاعية الكبرى.
ويكشف انهيار مشروع المقاتلة أيضًا عن تحول أوسع في موازين القوى داخل أوروبا، فمع الزيادة الضخمة في الإنفاق العسكري الألماني، أصبحت برلين تمتلك موارد دفاعية وصناعية تفوق كثيرًا ما كانت عليه قبل سنوات قليلة.
ويعتقد مراقبون أن هذا التحول قد يؤثر أيضًا على مشروعات أوروبية مشتركة أخرى، مثل مشروع الدبابة الأوروبية المستقبلية، حيث تزداد قدرة ألمانيا على فرض رؤيتها الصناعية والعسكرية مقارنة بشركائها.