أكد وزير الخارجية اليمني الأسبق الدكتور أبو بكر القربي، أن الوحدة اليمنية مثلت مناسبة تاريخية وقومية أسعدت جميع الشعوب العربية، مشيدًا بالدور المصري الداعم لليمن عبر مختلف المراحل التاريخية، مشددًا على أن مصر كانت دائمًا حاضرة في وجدان اليمن منذ قيام الثورة اليمنية في 26 سبتمبر، وأن القاهرة تستقبل اليوم آلاف اليمنيين في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، موجهًا التحية لمصر وشعبها.
وقال "القربي"، ببرنامج "الجلسة سرية" الذي يقدمه الإعلامي سمير عمر على شاشة قناة "القاهرة الإخبارية"، إن مسيرته المهنية بدأت من مدينة عدن، حيث درس الطب في بريطانيا قبل أن يعمل في كندا، ثم عاد إلى اليمن ليشغل مناصب أكاديمية عدة، منها عميد كلية الطب ونائب رئيس الجامعة، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى العمل السياسي.
وأوضح "القربي" أن ابتعاده عن السياسة في بدايات حياته جاء نتيجة عدم اقتناعه بالتوجه الاشتراكي الذي كان سائدًا في جنوب اليمن آنذاك، ما دفعه للتركيز على مستقبله العلمي والمهني والعمل في مجال الطب خارج البلاد.
وكشف وزير الخارجية اليمني الأسبق أن عودته إلى الحياة السياسية جاءت بصورة غير متوقعة، بعدما تلقى دعوة للعودة إلى صنعاء لتأسيس كلية الطب في جامعة صنعاء، ليجد نفسه عضوًا في أول لجنة للحوار الوطني شكَّلها الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح عقب توليه السلطة.
وأشار إلى أن ذلك الحوار لم يكن بين الشمال والجنوب، بل كان يهدف إلى إقرار الميثاق الوطني للمؤتمر الشعبي العام وإنهاء الصراعات القائمة آنذاك بين التيارات اليسارية والإسلامية في المناطق الوسطى من اليمن.
وأكد "القربي" أن تلك المرحلة منحته فرصة التعرف على مختلف القوى السياسية والفكرية في البلاد، من خلال العمل مع شخصيات بارزة ضمت مشايخ قبائل وأكاديميين ورجال أعمال ورجال دين، وهو ما شكل نقطة التحول الرئيسية في مسيرته السياسية.
وأضاف أنه بعد تعيينه نائبًا لرئيس جامعة صنعاء تولى أيضًا رئاسة فرع المؤتمر الشعبي العام داخل الجامعة، لتبدأ بعدها رحلته الكاملة في العمل السياسي، وصولًا إلى توليه حقيبة التربية والتعليم عام 1993 كأول منصب وزاري له عقب تحقيق الوحدة اليمنية.
تحديات مبكرة
وأضاف وزير الخارجية اليمني الأسبق أن عودته إلى العمل السياسي جاءت دائمًا من خلال مظلة العمل الوطني الجامع، موضحًا أن تلك التجربة تكررت معه في أكثر من محطة سياسية، سواء خلال فترة الرئيس علي عبد الله صالح أو حتى بعد رحيله عن السلطة، مشيرًا إلى أنه كان ضمن الشخصيات التي سعت لاحقًا إلى صياغة توافق وطني بين القوى اليمنية، وذلك بعد أن تولى سابقًا مسؤولية المؤتمر الشعبي العام داخل جامعة صنعاء قبل تعيينه وزيرًا للتربية والتعليم عقب تحقيق الوحدة اليمنية.
وأوضح أن التحدي الأبرز في تلك المرحلة تمثل في أن الوحدة تمت باندفاع سياسي فرضته الظروف التي شهدتها المحافظات الجنوبية بعد الصراع الذي وقع هناك، مشيرًا إلى أن البعض رأى في الوحدة مخرجًا سياسيًا أو محاولة للهروب إلى الأمام.
وأشار إلى أن هناك أيضًا محاولات مبكرة لإجهاض الوحدة من أطراف داخلية في الشمال والجنوب لم تكن مؤمنة بها، إضافة إلى وجود قوى خارجية لم تكن ترغب في نجاح الوحدة اليمنية.
مواجهة تهمة الإرهاب
وأشار إلى أنه بعد حادثة تفجير السفينة الحربية الأمريكية "USS Cole" في عدن في أكتوبر 2000، ثم أحداث 11 سبتمبر في نيويورك، تحولت القضية بالكامل من الحديث عن التنمية والعمل السياسي إلى مواجهة تحديات مرتبطة بتصنيف اليمن باعتباره مقرًا للتنظيمات الإرهابية.
وأكد "القربي" أن حادثة السفينة الأمريكية شكلت تحديًا كبيرًا للحكومة اليمنية في ذلك الوقت، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة لم تتعامل مع القضية بنفس مستوى تعاملها لاحقًا مع أحداث 11 سبتمبر، لكنها مارست ضغوطًا على صنعاء من أجل تقديم تنازلات اعتبرتها الحكومة اليمنية مرتبطة بقضايا سيادية ودستورية.
وأوضح أن اليمن تمسك بالحفاظ على دستوره وحقوق مواطنيه الدستورية، ورفض المساس بالسيادة القانونية اليمنية رغم الضغوط الأمريكية المتزايدة آنذاك.
وقال وزير الخارجية اليمني الأسبق إن الولايات المتحدة الأمريكية طلبت المشاركة المباشرة في التحقيقات الخاصة بالمتهمين بتفجير المدمرة الأمريكية، إلا أن الحكومة اليمنية رفضت ذلك بشكل واضح.
وأشار إلى أن أول تحرك يمني عقب أحداث 11 سبتمبر تمثل في ترتيب زيارة سريعة للرئيس الأسبق علي عبد الله صالح إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، حيث أكد "صالح" أن الإرهاب يمثل تهديدًا لجميع دول العالم وأن مكافحته تتطلب شراكة دولية حقيقية، مؤكدًا أن اليمن وقفت مع المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب.
ملف الإرهاب
وقال "القربي" إن اليمن دخلت في شراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية في ملف مكافحة الإرهاب عقب أحداث 11 سبتمبر، موضحًا أن وجود عناصر متشددة مرتبطة بتنظيم القاعدة كان يتركز في المحافظات الجنوبية، في وقت كانت فيه البلاد تواجه أيضًا تعقيدات سياسية وأمنية مرتبطة بتعدد التيارات والقوى الفاعلة على الساحة اليمنية.
وأضاف أن الإشكالية الأساسية في ملف مكافحة الإرهاب تمثلت في استغلال بعض قوى المعارضة السياسية لهذا الملف ضد الحكومة، من خلال اتهامها بتقديم تنازلات للولايات المتحدة والتفريط في السيادة اليمنية، مؤكدًا أن الحكومة لم تقدم أي تنازل سيادي.
الاجتياح الأمريكي للعراق
وأكد "القربي" أنه زار العراق قبل الاجتياح الأمريكي عام 2003 حاملًا رسالة من على عبدالله صالح إلى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، موضحًا أن مضمون الرسالة كان يدعو بغداد إلى التعاون وإبداء المرونة في التعامل مع الأمم المتحدة والمطالب الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي، في محاولة لتجنب المواجهة العسكرية.
وأشار إلى أن صدام حسين تمسك في المقابل بمبدأ السيادة، واعتبر أن القضية تمثل "كرامة الأمة"، مؤكدًا استعداد العراق لخوض المعركة دفاعًا عن هذه الكرامة، كما نقل القربي عن الرئيس العراقي الراحل توجيهه الشكر لعلي عبد الله صالح على الرسالة، إلى جانب توجيه رسالة خاصة له دعا فيها إلى الحفاظ على الوحدة اليمنية.
وقال وزير الخارجية اليمني الأسبق إن حديثه مع صدام حسين جاء في سياق تحذير مباشر من تداعيات الحرب على العراق، موضحًا أنه خاطبه كمواطن عربي وليس كوزير خارجية.
وأضاف وزير الخارجية اليمني الأسبق أن بلاده من الدول التي عارضت مبدأ الحرب على العراق، ورفضت القرارات التي كانت تهدد سيادة العراق ووحدته.
السياسات الأمريكية
وأضاف "القربي" أن تقييم العلاقة بين اليمن والولايات المتحدة في تلك المرحلة لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، موضحًا أن المشهد اليمني كان جزءًا من تحولات أكبر في المنطقة بدأت بعد أحداث 11 سبتمبر، وما تبعها من حديث عن إعادة تشكيل ما سُمي بـ"الشرق الأوسط الجديد"، والذي ارتبط بمحاولات معالجة قضايا الديمقراطية والاقتصاد والبطالة في عدد من الدول العربية.
وصرح بأن تلك السياسات والتطورات الدولية أسهمت في تهيئة الأجواء لما عُرف لاحقًا بـ"الربيع العربي"، مشيرًا إلى أن هذا المصطلح نفسه كان محل جدل واسع، وأن بعض الأطراف الدولية لاحقًا اعترفت بأنه لم يكن ربيعًا بالمعنى الذي تم الترويج له.
وأكد "القربي" أن اليمن لم تكن حالة معزولة عن هذا السياق، بل كانت جزءًا من بيئة إقليمية مضطربة تشابكت فيها الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، موضحًا أن تعدد القوى الداخلية، سواء المعارضة السياسية أو الجماعات المسلحة، جعل المشهد أكثر تعقيدًا في ظل تداخل التأثيرات الخارجية مع الأوضاع الداخلية.
وأشار إلى أن تقييم أثر العلاقات مع الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الدولية يجب أن يُقرأ ضمن هذا الإطار الإقليمي الأشمل، الذي سبق ما وصفه الإعلام بـ"الربيع العربي"، معتبرًا أن كثيرًا من التحولات التي شهدتها المنطقة لاحقًا كانت امتدادًا لتراكمات سياسية واقتصادية.