"قرارات الحرب تأتي أولًا من تل أبيب ثم تنفذها واشنطن.. الولايات المتحدة تنفذ أجندات إسرائيل حتى لو على حساب مصلحتها.. كلفة الحرب الاقتصادية تعرض الأمريكيين للخطر بسبب ارتفاع الأسعار.. لا استقرار في الشرق الأوسط من دون حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية"، هذه هي أهم المحاور التي تحدث فيها جوش بول - أول مسؤول يستقيل من الخارجية الأمريكية بعد العدوان الإسرائيلي على غزة في 2023 والدعم غير المحدود الذي قدمته الإدارة الأمريكية، بقيادة جو بايدن آنذاك، لإسرائيل.
شغل بول منصب مدير مكتب الشؤون السياسية والعسكرية في وزارة الخارجية الأمريكية حتى أكتوبر 2023.
انهيار مستمر للنظام الدولي
قال جوش بول، في حوار خاص مع موقع "القاهرة الإخبارية"، إن النهج الحالي الذي تتبعه الولايات المتحدة مع إيران يزيد من عدم استقرار المنطقة، حيث إن العالم يشهد اعتمادًا مستمرًا على القوة العسكرية باعتبارها الأداة الأساسية للسياسة الخارجية، على الرغم من عقود من الأدلة على أن التصعيد العسكري يخلق حالة من عدم الاستقرار والنزوح والصراع على المدى الطويل.
وأضاف بول أنه، بناءً على ذلك، فإن الخطر لا يكمن فقط في حرب أوسع نطاقًا مع إيران، بل في الانهيار المستمر للنظام الدولي القائم على القواعد، لصالح نظام تصبح فيه القوة العسكرية هي الحل المفضل للمشكلات السياسية.
إسرائيل تسيطر على أمريكا؟
وحول النفوذ الإسرائيلي على الولايات المتحدة في هذه الحرب، ومن يجر الآخر نحو الحرب؟ يرى بول أنه لا يمكن فصل الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران عن الاستراتيجية الإقليمية الأوسع لإسرائيل، فالحرب مع إيران تشكل جزءًا من سلسلة متواصلة تشمل غزة ولبنان وسوريا، وكلها تتشكل وفقًا لعقيدة أمنية إسرائيلية تعتمد على الردع، وعندما يفشل الردع، تكون القوة الساحقة هي التي تسود في الموقف.
وأكد بول أنه لطالما نظر القادة الإسرائيليون إلى إيران باعتبارها تهديدًا محوريًا لاستراتيجيتهم الأمنية الإقليمية، حيث كانت هذه الحرب خيارًا تم اتخاذه أولًا في تل أبيب، ثم جرى الضغط على واشنطن من خلال نظام سياسي يضع، في كثير من الأحيان، الأولويات الإسرائيلية قبل المصالح الأمريكية.
مصلحة إسرائيل أولًا
وحول عدم قدرة واشنطن على الوصول إلى اتفاق مع إيران بسبب وضع إسرائيل عقبات في طريق السلام، أوضح بول أن هناك جهات فاعلة قوية في كل من واشنطن وتل أبيب فضلت منذ فترة طويلة الضغط والمواجهة العسكرية على الدبلوماسية مع إيران. وصحيح أن الولايات المتحدة تتمتع بنفوذ كبير للسعي إلى التوصل إلى حل دبلوماسي، ولكن عددًا كبيرًا للغاية من صناع القرار السياسي في واشنطن يضعون المصلحة العسكرية الإسرائيلية أولويةً في تحديد السياسات والقرارات التي يتم قبولها وتمريرها. وعليه، يبقى السؤال الحقيقي: هل واشنطن مستعدة للسعي إلى تحقيق ما يخدم المصالح الأمريكية والاستقرار الإقليمي، حتى عندما يتعارض ذلك مع رغبات إسرائيل أم لا؟
تقويض صلاحيات ترامب
قال بول إن تمرير قرار لتقويض صلاحيات ترامب في الحرب في مجلس النواب (ولكن ليس مجلس الشيوخ بعد) أمر مهم، ولكن قرار صلاحيات الحرب ليس مفتاحًا سحريًا يوقف الحرب، خصوصًا بعد أن أمضى الكونجرس عقودًا من الزمن في التنازل عن السلطة بشأن مسائل الحرب والسلام. ومع ذلك، فهي إشارة مهمة إلى الافتقار إلى الدعم السياسي لهذا الصراع، وتعكس اعترافًا متزايدًا بأن الشعب الأمريكي لا يريد حربًا أخرى، وأن العمل العسكري لا ينبغي أن يتم دون مساءلة ديمقراطية.
وأكد جوش بول أن الولايات المتحدة تخاطر بجر نفسها إلى صراعات أعمق بسبب إسرائيل، مشيرًا إلى أن واشنطن تتحمل مسؤوليات ومصالح وتكاليف عالمية مرتبطة بالتدخل العسكري. ومع ذلك، فإن أفراد الخدمة الأمريكية ودافعي الضرائب والموارد الدبلوماسية يتعرضون للخطر مرارًا وتكرارًا دعمًا للسياسات التي تحركها أهداف إقليمية إسرائيلية بدلًا من المصالح الأمريكية الواضحة. وأشار إلى أن السياسة الخارجية المستدامة تتطلب القدرة على التمييز بين دعم الحليف وإخضاع المصالح الأمريكية لأجندة ذلك الحليف.
عواقب وخيمة
يرى بول أن العواقب قد تكون وخيمة حال استمرار الصراع الأمريكي مع إيران، لافتًا إلى أن العالم يشهد بالفعل الآثار المدمرة الناجمة عن زعزعة استقرار العديد من البلدان، وتعطيل طرق التجارة، وتفاقم الأزمات الإنسانية. كما أن هناك أيضًا خطرًا يتمثل في أن الجهود الرامية إلى إضعاف إيران قد تؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج مماثلة لتلك التي شهدناها في أماكن أخرى من المنطقة: التشرذم، وضعف الدولة، وعدم الاستقرار طويل الأمد الذي يمتد إلى ما هو أبعد من الحدود الوطنية.
وأشار بول إلى أن كل التزام إضافي بالصراع في الخارج يحمل تكاليف اقتصادية يتحملها في نهاية المطاف دافعو الضرائب الأمريكيون، وهو ما تشعر به بالفعل الأسر الأمريكية من خلال ارتفاع أسعار البنزين، وزيادة تكاليف النقل، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، قائلًا: "السؤال الذي يطرحه الأمريكيون الآن: كيف يمكن أن تكون هذه التضحيات تعمل على تعزيز أمنهم وازدهارهم؟".
حل شامل للفلسطينيين
أكد بول أن الحرب بين واشنطن وطهران تؤثر على القضية الفلسطينية، حيث أثبتت فكرة إمكانية تحقيق السلام الإقليمي مع تأجيل التوصل إلى حل عادل للفلسطينيين فشلها مرارًا وتكرارًا، ويظل تقرير المصير الفلسطيني وحقوقه وأمنه عنصرًا أساسيًا في أي تسوية إقليمية دائمة، وهذا الصراع لا يؤدي إلا إلى تعزيز هذا الواقع. وفي الوقت نفسه، تكشف الحرب عن مدى استمرار تشكيل السياسة الأمريكية من خلال الدعم غير المشروط لإسرائيل، حتى عندما يأتي هذا الدعم بتكاليف إقليمية ومحلية كبيرة.