لم تعد الولايات المتحدة في نظر الأوروبيين ذلك الحليف الأمين الذي طالما استندوا إليه في أوقات الأزمات، إذ رأى استطلاع صادم للرأي أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) في 15 دولة أوروبية، ونشرت نتائجه صحيفة ليزيكو الفرنسية البريطانية، يكشف عن تحول جذري في المزاج الأوروبي، أن الثقة بواشنطن في الحضيض، والرغبة في الاستقلال الدفاعي في أعلى مستوياتها منذ سنوات.
من حليف إلى خصم
تشير الصحيفة الفرنسية إلى أنه بعد أن كان 22% من الأوروبيين يصنفون الولايات المتحدة حليفًا موثوقًا، في نوفمبر 2024، تراجعت النسبة إلى 16% قبل ستة أشهر، لتصل اليوم إلى 11% فقط، وفق ما رصدته ليزيكو، نقلًا عن نتائج استطلاع ECFR، إذ بات الأوروبيون يصفون واشنطن بـ"الشريك الضروري" لا الحليف، وهو فارق دلالي يعكس برود العلاقة.
والأكثر حدة في موقفهم، هم الفرنسيون، إذ وصف 26% منهم الولايات المتحدة بـ"المنافس"، فيما ذهب 10% إلى حد تسميتها "عدوًا"، في مشهد يُجسد تداعيات أزمة جرينلاند وحدة تصريحات دونالد ترامب التي أساءت إلى صورة بلاده لدى الشركاء الأوروبيين.
ثقة أوروبية متبادلة تملأ الفراغ الأمريكي
في المقابل، يُسجل الاستطلاع الذي أوردته ليزيكو تحولًا لافتًا في الاتجاه المعاكس، فالأوروبيون باتوا يثقون ببعضهم أكثر من ذي قبل، ويؤمنون بأن دولهم ستهُب لنجدة بعضها في حال وقوع أي اعتداء.
وتتصدر الدنمارك المشهد بنسبة ثقة استثنائية بلغت 88%، في ما يبدو أثرًا مباشرًا لأزمة جرينلاند التي جعلت الدنماركيين يشعرون بالحاجة الماسة إلى الدرع الأوروبية.
وتُسجل هولندا والسويد بدورهما أرقامًا مرتفعة، فيما أفاد 68% من الفرنسيين بأنهم يعتقدون أن جيرانهم سيدافعون عنهم إذا دعت الحاجة.
والأكثر دلالةً أن بولندا، المعروفة بتمسكها التاريخي بالمظلة الأمريكية، بات نصف مواطنيها يفضلون الرهان على أوروبا في اللحظات الحرجة.
إرادة الاستقلال الدفاعي
يترجم هذا المناخ الجديد رغبة حقيقية في بناء منظومة دفاعية أوروبية مستقلة، فـ58% من الفرنسيين يؤيدون هذا التوجه، وفق ما نقلته ليزيكو عن نتائج ECFR، فيما يدعم 47% من مجمل المستطلعين فكرة الاقتراض المشترك لتمويل الإنفاق العسكري، مقابل 35% رافضين فقط.
وتتجاوز نسبة المؤيدين لشراء أسلحة أوروبية بدلًا من أمريكية حاجز 70% في الدنمارك وهولندا والسويد.
غير أن الحماس يتراجع حين يصطدم بالواقع الاقتصادي، إذ يرفض 56% من الألمان و63% من الإيطاليين و54% من الإسبانيين تخفيض الإنفاق على الخدمات العامة لصالح الدفاع، كما يُبدي الأوروبيون تحفظًا واضحًا حيال التخلي عن الناتو لإنشاء هيكل دفاعي أوروبي جديد من الصفر، وهو ما يضع صانعي القرار أمام معادلة بالغة الدقة.
ناتو بوجه أوروبي
أمام هذه المعطيات، تُحذر الباحثة جانا كوبزوفا، المديرة المشاركة لبرنامج الأمن الأوروبي في ECFR، من إهدار هذه اللحظة التاريخية، مؤكدة أن الإجماع القاري على تقليص الاعتماد على واشنطن يفتح نافذة نادرة أمام القادة الأوروبيين للتحرك بجرأة.
وفي هذا الإطار، يوصي تقرير ECFR، الموسوم بـ"إعادة الدفاع إلى أوروبا"، بـ"أورَبة" قيادة الناتو وتعزيز هياكله الإقليمية، بدلًا من بناء مؤسسات أمنية موازية. ويشير أوليفييه شميت، من المبادرة الأوروبية لدراسات الأمن (EISSS)، إلى تشكيل تحالفات أوروبية إقليمية متدربة على العمل المشترك ضِمن البنية القائمة للحلف.
في المقابل، تتصاعد حدة التوتر في الكواليس الأوروبية بين معسكرَي "الانتظار" و"التسريع"، فدول البلطيق والجناح الشرقي تخشى الخوض في نقاش الاستقلالية؛ خشية أن يُعجل ذلك بالانسحاب الأمريكي، بينما تُلح فرنسا على فتح نقاش جوهري عاجل حول إصلاح الناتو، إذ يرى مسؤول أوروبي في بروكسل أن "الانتظار لا يخدم أحدًا، والأمين العام مارك روته مدعو إلى إطلاق هذا النقاش بالتوازي مع مساعيه للإبقاء على الأمريكيين داخل الحلف".
باريس تُتوج "الصحوة الإستراتيجية"
على وقع هذا التحول الكبير، يستعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتحويل عرض الرابع عشر من يوليو على شانزيليزيه إلى استعراض سياسي رمزي بامتياز. وستُشارك 35 دولة من تحالف المتطوعين في هذا الحدث الاستثنائي الذي يحمل شعار "الصحوة الإستراتيجية لأوروبا"، ويضم نحو 8500 مشارك و300 مركبة و95 طائرة و35 مروحية، وفق ما أعلنه الجنرال لويك ميزون. وستحتل أوكرانيا مكانة الشرف في الحدث في عامها الخامس من الحرب، إذ ستفتح الفرقة الجوية الاستعراضية الفرنسية الاستعراض الجوي مصحوبة بطائرتي ميراج 2000 يقودهما طياران فرنسي وأوكراني.