نجح مشروع الفيلم الروائي الفلسطيني الجديد Chentian أو "شنتيان" للمخرجة وكاتبة السيناريو الفلسطينية سهى عراف، في استقطاب مجموعة من أبرز الداعمين والمنتجين بالمنطقة وأوروبا، خلال مرحلة تطويره، في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بالمشروع، الذي يجمع بين البعد النسوي والطرح السياسي المرتبط بالقضية الفلسطينية.
وانضمت المنتجة الفلسطينية مي عودة، المعروفة بإنتاج عدد من الأفلام الفلسطينية البارزة مثل "عائشة لا تستطيع الطيران"، و"شبح نافع"، و"الحدائق المعلقة"، و"200 متر"، إلى قائمة الداعمين الرئيسيين للمشروع، إلى جانب الأردنية رينا خوري من استوديوهات أبو لجود التابعة لشبكة الإعلام العربي.
وحقق الفيلم أخيرًا إنجازًا مهمًا بحصوله على جائزة "تين" للإنتاج ما بعد التصوير، التي تبلغ قيمتها 35 ألف يورو (نحو 41.650 دولارًا أمريكيًا)، ضمن فعاليات سوق الأفلام الإسكندنافية في مهرجان جوتنبرج السينمائي لهذا العام، ومن المقرر أن يعرض المشروع مجددًا، 10 يونيو الجاري خلال سوق الإنتاج المشترك "إيكام فوروم" في العاصمة الإسبانية مدريد.
وتتولى مي عودة إنتاج الفيلم من خلال شركة "عودة فيلمز" في فلسطين، بالشراكة مع شركة "مايانا فيلمز" الألمانية التي أسستها مع زورانة موشيكي، فيما تشارك المنتجة الألمانية لينا زيمرهاكل في العمل، بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون.
وتدور أحداث الفيلم في قرية فلسطينية زراعية معزولة داخل إسرائيل، إذ يروي قصة شقيقتين، نبيلة وشمس، تعيشان في إطار علاقة زواج تبادلي مع شقيقين وبعد وفاة زوج نبيلة في حادث جرار زراعي، تجد نفسها تعيش تحت سقف واحد مع شقيقتها وزوجها وليد، لتنشأ لديها مشاعر محرمة تجاه صهرها وفي الوقت نفسه، تتعرض أراضي القرية لموجة من المصادرات من قبل السلطات الإسرائيلية، ما يجعل التوترات الشخصية تتشابك مع الضغوط السياسية والاجتماعية.
وتصف سهى عراف فيلمها بأنه عمل نسوي وسياسي يستكشف العلاقة الرمزية بين جسد المرأة والأرض، معتبرة أن كليهما يمثلان مصدرًا للخلق والعطاء، وأنهما يتعرضان في الوقت ذاته لعمليات الهيمنة والاستغلال، موكدة أن الفيلم ينطلق من قناعة راسخة بأن تحرير فلسطين لا يمكن أن يتحقق بصورة كاملة دون تحرير المرأة، مشيرة إلى أن بطلات العمل يعشن حالة من التهميش وفقدان الثقة بالنفس قبل أن يكتشفن قوتهن وقدرتهن على الفعل والتغيير.
وأضافت "عراف"، أن الفيلم يتناول الطاقات النسائية المكبوتة والشعور المستمر بعدم الثقة، الذي تعاني منه كثير من النساء تجاه قدراتهن، قبل أن يدركن حجم القوة الكامنة بداخلهن.
وفي حديثها عن البيئة الريفية التي تدور فيها الأحداث، أوضحت المخرجة سهى عراف، أن هذا الاختيار يأتي خلافًا للسائد في السينما الفلسطينية، إذ تتركز غالبية الأعمال في المدن أو مخيمات اللاجئين، مشيرة إلى أن أجواء الفيلم مستوحاة من تجربتها الشخصية خلال نشأتها في بلدة معيليا بالجليل حتى سن الثامنة عشرة.
وقالت عراف، إن علاقتها بالمكان ما تزال حاضرة بقوة في وجدانها، مؤكدة أن الإنسان قد يغادر قريته، لكن القرية لا تغادره أبدًا، كما استحضرت تجربتها الشخصية في العمل بزراعة التبغ لتمويل دراستها الجامعية، واصفة تلك المرحلة بأنها علمتها الصبر والإيمان بثمار الجهد والعمل الطويل.
وتطرقت المخرجة إلى قضية الأرض بوصفها عنصرًا أساسيًا في الوعي الفلسطيني، مؤكدة أن مصادرة الأراضي شكلت جزءًا من التجربة التي عاشتها شخصيًا منذ طفولتها، حين شهدت مصادرة أجزاء واسعة من أراضي قريتها لصالح مشروعات إسرائيلية مختلفة، وأن المجتمع المحلي أبدى مقاومة مستمرة لهذه السياسات.
ورغم أن الفيلم لا يزال في مرحلة التمويل، ولم تحسم بعد مواقع التصوير أو أسماء الممثلين وأفراد الطاقم الفني، فإن عراف أعربت عن ثقتها الكبيرة بوجود مي عودة على رأس المشروع، ووصفتها بأنها منتجة استثنائية ومدافعة شرسة عن الأعمال التي تؤمن بها.
من جانبها، أوضحت مي عودة أنها اقتنعت بالمشروع منذ اللحظة الأولى، التي عرضته عليها سهى عراف قبل نحو عام ونصف العام، مؤكدة أن انضمامها إلى الفيلم يأتي انطلاقًا من التزامها بدعم المزيد من الأفلام التي تخرجها نساء، وإبراز القصص التي تضع المرأة في قلب الحدث بدلًا من تهميشها.
وأضافت أن ما جذبها إلى الفيلم قدرته على تناول تجارب نسائية شديدة الخصوصية والحميمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ارتباطه بالسياق السياسي، دون الوقوع في الخطاب المباشر أو الوعظي.
وأشارت إلى أنها ستسعى خلال مشاركتها في منتدى "إيكام" بمدريد إلى البحث عن شركاء إنتاج جدد، بجانب التواصل مع وكلاء المبيعات ومنظمي المهرجانات الدولية لدعم رحلة الفيلم نحو الإنتاج والتوزيع.
وفي سياق متصل، تستعد سهى عراف لخوض تجربتها الإخراجية الروائية الثانية بعد النجاح الذي حققه فيلمها الأول "فيلا توما" عام 2014، مؤكدة أنها تستمتع بكتابة السيناريو لمخرجين آخرين، لكنها تسعى في أعمالها الإخراجية الخاصة إلى تقديم سينما تعتمد على الصورة والرمزية والعلاقات الإنسانية المركبة أكثر من اعتمادها على الحوار.
كما كشفت عن مشروعها السينمائي المقبل بعنوان "مملكة النحل"، عمل مستوحى من قصة حقيقية لامرأة من عائلتها، وتدور أحداثه خلال فترة الحرب في لبنان، مع التركيز على ما تصفه بـ"الجيل الذهبي من نساء الريف"، واستكشاف أدوارهن وتجاربهن في تلك المرحلة التاريخية.