لا تزال الصين التي تتحدي أمريكا بالقوة الاقتصادية، وبأكبر الجيوش وأكثر البرامج التكنولوجية تقدمًا، عاجزة عن تحقيق اختراق حقيقي في اللعبة الأكثر شعبية على وجه الأرض، إذ لم تتمكن بكين حتى الآن من بناء منتخب كرة قدم قادر على حجز مقعد بين كبار العالم، بل فشلت رغم حجمها السكاني الهائل واستثماراتها الضخمة في كرة القدم والدعم السياسي الذي حظيت به اللعبة خلال السنوات الماضية، في الوصول إلى كأس العالم أو حتى الحصول على حقوق تنظيمها.
وفي الوقت الذي منح فيه الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" القارة الآسيوية فرصة تاريخية لتعزيز حضورها في كأس العالم 2026 عبر زيادة عدد المقاعد المباشرة من أربعة إلى ثمانية، مع إمكانية تأهل منتخب تاسع عبر الملحق، كانت التوقعات تشير إلى أن الصين ستكون من أبرز المستفيدين من هذا التوسع.
غير أن الواقع جاء مغايرًا تمامًا؛ إذ أخفق المنتخب الصيني في التأهل للمونديال للمرة الثانية فقط في تاريخه، بل خرج من التصفيات مبكرًا بعدما حلَّ خلف منتخبات مثل عُمان وإندونيسيا وفلسطين، وفشل حتى في بلوغ المرحلة الرابعة من التصفيات الآسيوية التي تنافست فيها المنتخبات على المقاعد الأخيرة المؤهلة للبطولة.
حلم "شي" يتعثر
وبحسب صحيفة "ذا إيكونوميست" الأمريكية، منذ عام 2011، وقبل توليه الرئاسة، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينج ثلاثة أحلام تتعلق بكرة القدم الصينية، أولًا التأهل إلى كأس العالم، ثم استضافة البطولة، والفوز بها. ورغم أن الصين نجحت بالفعل في التأهل إلى مونديال 2002، فإن تلك المشاركة الوحيدة في تاريخها انتهت بخروج مخيّب للآمال بعد تلقي تسعة أهداف دون تسجيل أي هدف.
وفي عام 2015 أطلقت بكين خطة طموحة من 50 بندًا لتطوير كرة القدم، تضمنت استثمارات ضخمة في الدوري المحلي، فضلًا عن توسع الشركات الصينية في شراء حصص بأندية أوروبية. وبلغت الطموحات ذروتها عندما أعرب مدربون كبار في الدوري الإنجليزي الممتاز عن قلقهم من القوة المالية المتنامية للأندية الصينية وقدرتها على استقطاب النجوم.
انتشار الفساد
لكن المشروع الكروي الصيني اصطدم بجملة من العقبات، أبرزها قضايا الفساد والتلاعب في النتائج والمراهنات، إلى جانب التدخل السياسي والإداري المكثف في إدارة اللعبة، وفقًا لما ذكرته الصحيفة الأمريكية.
وبات الدوري الصيني الممتاز يعاني من أزمات متراكمة، إذ بدأت أكثر من نصف أنديته الموسم الجديد وهي تعاني من خصم نقاط بسبب عقوبات مرتبطة بالفساد والتلاعب بالمباريات، كما أن بعض الأندية ظلت عاجزة عن الخروج من رصيدها السلبي حتى بعد مرور عدة جولات من الموسم.
وتكمن المشكلة الأساسية، بحسب محللين، في محاولة تطبيق النموذج الصيني القائم على التخطيط المركزي والانضباط الإداري على رياضة تعتمد بطبيعتها على الإبداع والعفوية والعمل القاعدي طويل الأمد.
ففي حين نجحت الصين في بناء بنية تحتية عملاقة وتطوير صناعات متقدمة مثل السيارات الكهربائية، فإن إنتاج لاعبي كرة قدم متميزين يتطلب بيئة مختلفة تقوم على انتشار الأندية المجتمعية والمنافسات المحلية واكتشاف المواهب تدريجيًا، وهو ما يصعب تحقيقه عبر القرارات الإدارية وحدها.
كما أن الطفرة المالية التي شهدها الدوري الصيني قبل نحو عقد من الزمن، وجلبت أسماء عالمية بارزة إلى الملاعب الصينية، لم تنعكس بصورة ملموسة على مستوى اللاعبين المحليين أو أداء المنتخب الوطني.
أحلام تتلاشي
وفي السنوات الماضية، كانت الصين مرشحًا قويًا لاستضافة كأس العالم، خاصة بعد زيارة رئيس الفيفا جياني إنفانتينو إلى بكين عام 2017 ولقائه الرئيس الصيني، حيث سادت آنذاك توقعات بأن استضافة الصين للمونديال مسألة وقت لا أكثر.
لكن بعد منح نسختي 2030 و2034 لكل من المغرب وإسبانيا والبرتغال بشكل مشترك، ثم المملكة العربية السعودية، أصبحت أقرب فرصة واقعية أمام الصين لاستضافة البطولة في عام 2042، وفق نظام التناوب القاري المعمول به في الفيفا.
غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن اهتمام القيادة الصينية بالمشروع الكروي تراجع بصورة واضحة. فعندما عاد إنفانتينو إلى الصين عام 2024 لم يستقبله الرئيس الصيني، بل أحد نواب وزير الرياضة، في إشارة اعتبرها كثيرون انعكاسًا لتراجع مكانة كرة القدم ضمن أولويات الدولة.