عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة لبحث التطورات في لبنان في ظل التصعيد العسكري المستمر بين إسرائيل و"حزب الله"، وسط تبادل الاتهامات والدعوات الدولية إلى وقف الأعمال العدائية ومنح المسار الدبلوماسي فرصة لاحتواء الأزمة.
تقويض للمساعي الدبلوماسية
وفي كلمتها الافتتاحية، حذّرت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة مارثا بوبي من التداعيات البشرية الكارثية للتصعيد العسكري في لبنان، الذي أسفر عن استشهاد أكثر من 3400 شخص وإصابة الآلاف، إلى جانب دمار هائل وتشريد واسع.
وأكدت أن هذه التطورات تمثل "تصعيدًا خطيرًا" يقوض تفاهم وقف الأعمال العدائية والجهود الدبلوماسية الهشة الرامية إلى التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار بين الجانبين.
وشددت المسؤولة الأممية على أن الوجود الإسرائيلي شمال الخط الأزرق يُعد انتهاكًا صارخًا لسيادة لبنان والقرار 1701، وفي الوقت ذاته طالبت حزب الله والجماعات المسلحة بنزع سلاحهم لتمكين الدولة من بسط سلطتها.
وذكرت أن القوات المسلحة اللبنانية "القوة الشرعية الوحيدة" في البلاد، داعية المجتمع الدولي إلى زيادة دعمها لضمان الأمن والاستقرار في كل الأراضي اللبنانية.
ووجهت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة نداءً عاجلًا لجميع الأطراف لممارسة أقصى درجات ضبط النفس، مطالبة إسرائيل بسحب قواتها واحترام سلامة الأراضي اللبنانية، وحثت القوى الإقليمية على الضغط على حزب الله للتعاون مع جهود الدولة.
كما شددت على ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية ومواقع التراث الثقافي، مع تأكيد حرمة موظفي الأمم المتحدة ومقراتها وعدم استهدافهم بأي شكل.
نوايا إسرائيلية خبيثة
في الوقت نفسه، قال مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير أحمد عرفة، إن إسرائيل وبرغم جهود الحكومة اللبنانية الرامية إلى احتواء الأزمة، قامت بتصعيد عسكري خطير أودى، حتى اليوم، بآلاف الأرواح.
واتهم إسرائيل بالاستمرار في عملية تدمير ممنهج للقرى والبلدات والأحياء السكنية، واستهداف الطواقم الطبية والمستشفيات والإعلاميين والمدارس والبنى التحتية والأجهزة الأمنية وقوات اليونيفيل ودور العبادة والمواقع الأثرية المصنفة كتراث عالمي للإنسانية، وغيره الكثير ممن يختزن ذاكرة لبنان وهويته الحضارية.
وقال السفير اللبناني إن بلاده تدين بأشد العبارات وبشكل واضح لا لبس فيه، الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية التي قال إنها تتعارض مع أحكام الميثاق والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وبما يرقى إلى جرائم في أحوال كثيرة.
وأضاف أن استحداث إسرائيل مناطق أمنية ورسم خطوط جغرافية احتلال مباشر وانتهاك صارخ لسيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه، ودعا مجلس الأمن إلى إدانة الاعتداءات والقيام بما عليه من واجبات بموجب الميثاق لوضع حد لها.
وتابع: "لم تعد نوايا الحكومة الإسرائيلية خفية على أحد، وهي ترد في تصريحات مسؤوليها ودعواتهم بضرورة توسعة طرقات الاعتداءات واحتلال أجزاء أوسع من لبنان. وهذا لا شك نتيجة للعجز الجماعي عن إنتاج الحلول وغياب المساءلة والمحاسبة اللذين يغذيان ثقافة الإفلات من العقاب".
وأشاد السفير عرفة بمبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والإدارة الأمريكية على الجهود البناءة والهادفة إلى إعطاء المسار الدبلوماسي فرصة بما فيها الجهود التي يبذلها الرئيس ترامب شخصيًا اليوم بهدف خفض التصعيد.
اللبنانيون يدفعون الثمن
المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، السفير مايك والتز، قال إنه من الواضح أن حزب الله لا يرى في لبنان سوى منصة انطلاق لهجماته المستلهمة من إيران ضد إسرائيل.
وأضاف المندوب الأمريكي، أن حزب الله "لا يكترث بلبنان، لا كبلد، ولا بمستقبل شعبه".
وقال والتز عن حزب الله -بحسب وصفه- "إنها جماعة إرهابية هاجمت أمريكيين، وقتلت جنود حفظ سلام تابعين لقوة اليونيفيل، واحتجزت مدنيين كرهائن لعقود من الزمن، واغتالت أبناء شعبها الشجعان الذين تدعي أنها تحميهم".
وأشار إلى أن القضية المطروحة أن لبنان قد جُرَّ مرة أخرى إلى الحرب على يد "منظمة إرهابية، ما كلف المدنيين اللبنانيين الأبرياء ثمنًا باهظًا".
وأضاف: "الحكومة اللبنانية الشرعية تُبدي شجاعة وروح قيادة حقيقية، فهي تسعى أخيرًا إلى تحرير بلادها من قبضة منظمة إرهابية تدين بالولاء لطهران، ولا تكترث لمعاناة شعبها"، مؤكدًا أن بلاده تدعم جهود الحكومة اللبنانية الرامية إلى استعادة لبنان لعظمته.
وذكَّر بأن قيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أتاحت إجراء أول محادثات تاريخية مباشرة بين حكومتي إسرائيل ولبنان.
وأوضح "والتز"، أن المسار واضح هو أن يتوقف حزب الله عن مهاجمة إسرائيل، وتفرض القوات المسلحة اللبنانية والحكومة الشرعية سيطرتها على الأراضي اللبنانية، وتكف إيران عن استخدام لبنان كقاعدة عمليات متقدمة لها، مضيفًا: "حينها، سيحظى الشعب اللبناني -الذي عانى طويلًا جدًا- بفرصة أخيرة لإعادة بناء وطن يخصه هو وحده".
إدانة التصعيد
أكد سفير فرنسا لدى الأمم المتحدة، جيروم بونافون، أن بلاده دعت للاجتماع الطارئ ردًا على "التصعيد الخطير" وتوسع العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
وحمّل "بونافون" حزب الله مسؤولية إشعال الصراع وجرّ اللبنانيين للحرب، لكنه شدد في الوقت ذاته على أنه "لا يوجد ما يبرر استمرار العمليات الإسرائيلية"، التي تسببت في سقوط ضحايا مدنيين وتعميق احتلال الأراضي اللبنانية.
كما وصف المندوب الفرنسي التصرفات الإسرائيلية بأنها "خطأ إستراتيجي فادح" ينتهك القرارات الدولية والتزامات أبريل الماضي، مُحذرًا من مغبة رفع العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف التاريخية، ما يُمثل عودة لحقبة الاحتلال التي اعتقد الجميع أنها ولّت.
وأشار إلى أن استمرار قصف القرى يضعف الحكومة اللبنانية ويقوي حزب الله، مؤكدًا أن الأمن المستدام يتحقق بالسلام لا بالحرب، وأعلن بونافون تأييد فرنسا القوي للمحادثات المباشرة المرتقبة بين لبنان وإسرائيل بوساطة أمريكية، مطلع يونيو الجاري، واصفًا إياها بـ"الفرصة الحاسمة".
وأعرب عن أمله في أن تؤدي هذه المفاوضات إلى تسوية سياسية دائمة تضمن سيادة لبنان ووحدة أراضيه، وتشمل بوضوح انسحاب القوات الإسرائيلية ونزع سلاح حزب الله لتمكين سلطة الدولة.
"ستار دخان"
اعتبر المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا، أن وقف إطلاق النار الذي أُعلن 17 أبريل الماضي، لم يكن سوى "ستار دخان" لعدوان زاحف، إذ استغلت إسرائيل فترة انتظار جولة المفاوضات الثانية لتوسيع احتلالها الممنهج للأراضي اللبنانية.
وحذّر "نيبينزيا" من تكرار "سيناريو غزة" في لبنان من خلال فرض السيطرة الميدانية والتهجير القسري للسكان، مؤكدًا أن هذا التدهور نتيجة مباشرة لما وصفه بـ"العدوان غير المبرر" من واشنطن وتل أبيب ضد إيران.
وأدان "نيبينزيا" الأعمال العدوانية الإسرائيلية بشدة، مطالبًا بالانسحاب الفوري للقوات الإسرائيلية كشرط أساسي ومستحيل دونه التوصل لوقف إطلاق النار.
وأشار إلى أن التاريخ يثبت أن المكاسب العسكرية وتوسيع الاحتلال لن يحل المشكلات الأمنية لشمال إسرائيل، بل سيؤدي إلى إضعاف الحكومة اللبنانية، التي تسعى بوضوح للتوصل إلى تسوية تفاوضية.
ويربط الموقف الروسي بين الفشل الدبلوماسي الأمريكي وبين ما يجري على الأرض، إذ يرى نيبينزيا أن المسار الذي تقوده واشنطن وفر غطاءً للتوسع العسكري بدلًا من السلام.
وشدد الخطاب الروسي على أن استعادة سيادة لبنان واستقلاله تبدأ بالانسحاب العسكري الشامل، مُحذرًا من أن استمرار "منطق القوة" سيقوض فرص الحل السياسي الدائم في المنطقة.