لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتسلية أو التواصل بالنسبة للأطفال والمراهقين، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى جزء أساسي من حياتهم اليومية، يقضون أمام شاشاتها ساعات طويلة، يتنقلون بين مقاطع الفيديو والتطبيقات والمنصات المختلفة، غير أن هذا الحضور الطاغي للتكنولوجيا في حياة الأجيال الجديدة أثار موجة متصاعدة من القلق داخل الأوساط السياسية والتربوية والصحية حول العالم، وسط تساؤلات متزايدة عن تأثير هذه المنصات على الصحة النفسية للأطفال وسلامتهم الاجتماعية وقدرتهم على التركيز والتعلم.
ومع تزايد التحذيرات من الآثار السلبية للاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، بدأت عدة دول تتجه نحو إجراءات أكثر صرامة، وصلت في بعض الحالات إلى التطبيق العملى بالحظر الفعلى، والبعض الآخر اتجه إلى طرح فكرة الحظر الكامل أو الجزئي لهذه المنصات على الأطفال والمراهقين، في خطوة تعكس تحولًا واضحًا في طريقة تعامل الحكومات مع الفضاء الرقمي.
حظر في ماليزيا
في أحدث هذه التحركات، أعلنت هيئة تنظيم الاتصالات في ماليزيا، اليوم الاثنين، بدء سريان منع الأطفال أقل من 16 عامًا من إنشاء حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، في إطار تعزيز جهودها لحماية القاصرين من التعرض للمحتوى الضار عبر الإنترنت.
وتنضم ماليزيا بذلك إلى عدد متزايد من الدول التي تتخذ تدابير لتنظيم الوصول إلى المنصات الإلكترونية، وسط مخاوف متزايدة بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على صحة الأطفال وسلامتهم.
وقالت لجنة الاتصالات والوسائط المتعددة الماليزية، إنه اعتبارًا من اليوم، يتعين على منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك "فيسبوك، وإنستجرام"، التابعتين لشركة ميتا بلاتفورمز، و"تيك توك، ويوتيوب" التابع لشركة ألفابت، إجراء عملية التحقق من العمر مقارنة بالسجلات الصادرة عن الحكومة، وفقًا لرويترز.
أستراليا تفتح الباب
كانت أستراليا سبقت معظم دول العالم عندما دخل قرارها بحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا حيز التنفيذ، في خطوة وصفت بأنها الأولى من نوعها عالميًا.
وشمل القرار منصات واسعة الانتشار مثل "فيسبوك وسناب شات وتيك توك ويوتيوب"، في إطار سياسة تهدف إلى تقليل تعرض الأطفال للمحتوى الضار والضغوط النفسية المرتبطة بالفضاء الرقمي.
ولم يخف رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي موقفه الحاد من هذه المنصات، إذ وصفها بأنها "آفة" للأطفال، مؤكدًا ضرورة وضع حدود عمرية واضحة لاستخدامها.
تحرك أوروبي
وفى يناير الماضي، أقر البرلمان الفرنسي مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 15 عامًا، في خطوة أشاد بها الرئيس إيمانويل ماكرون باعتبارها وسيلة لحماية الأطفال من الإفراط في قضاء الوقت أمام الشاشات.
وعلى أثر ذلك، أعلن قصر الإليزيه أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يقود جهودًا أوروبية لتنسيق موقف مشترك بشأن حظر استخدام القصر لوسائل التواصل الاجتماعي، ومن المقرر أن يعقد ماكرون اجتماعًا مع عدد من القادة الأوروبيين، إلى جانب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، لبحث آليات التحرك المشترك في هذا الملف.
هولندا تطالب بالتنفيذ
وفي إطار ذلك طالبت أحزاب الائتلاف الحكومي الهولندي الجديد بفرض حد أدنى أوروبي قابل للتنفيذ لسن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي عند 15 عامًا، مع توفير آلية للتحقق من السن تراعي خصوصية الشباب، طالما أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست آمنة بما فيه الكفاية، كما نقلت النسخة الأوروبية من صحيفة "بوليتيكو".
بريطانيا تختبر الحظر
وفي المملكة المتحدة، انتقلت المناقشات من مرحلة الطرح النظري إلى التجربة العملية، فقد بدأت الحكومة البريطانية تنفيذ برنامج تجريبي يشمل 300 مراهق، لاختبار عدد من الإجراءات الرقمية الجديدة.
وتتضمن التجربة تعطيل تطبيقات التواصل الاجتماعي بالكامل لبعض المشاركين، أو حجبها خلال ساعات الليل، أو تقييد استخدامها لمدة ساعة واحدة يوميًا فقط، بينما تستمر مجموعة أخرى في استخدام المنصات بصورة طبيعية للمقارنة بين النتائج.
وترى الحكومة البريطانية أن هذه التجربة ستوفر بيانات واقعية تساعد على تقييم تأثير تقليل استخدام المنصات الرقمية على حياة المراهقين وسلوكهم وصحتهم النفسية، تمهيدا لاتخاذ قرارات مستقبلية أكثر دقة.
ألمانيا والتشيك على النهج
الموجة نفسها بدأت تتوسع داخل أوروبا، ففي التشيك أعلن رئيس الوزراء أندريه بابيش تأييده لفكرة حظر مواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر، بينما أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرز دعمه لمقترحات تدعو إلى منع استخدام هذه المنصات لمن هم دون الرابعة عشرة.
وتتزايد داخل ألمانيا الأصوات المطالبة باتخاذ إجراءات مماثلة، خاصة مع تصاعد المخاوف المرتبطة بالصحة النفسية للأطفال والمراهقين، وتأثير الاستخدام المفرط للتطبيقات الرقمية على النمو الاجتماعي والسلوكي للأجيال الجديدة.
بين الحرية الرقمية والحماية
ورغم اتساع دائرة التأييد لهذه الإجراءات، فإن الجدل ما يزال قائما بين من يرون أن الحظر ضرورة لحماية الأطفال، ومن يعتبرون أن الحل لا يكمن في المنع الكامل، بل في التوعية والرقابة الأسرية وتعزيز الثقافة الرقمية.
لكن المؤكد أن العالم يقف اليوم أمام مرحلة جديدة في علاقته بوسائل التواصل الاجتماعي، مرحلة لم تعد فيها المنصات الرقمية تعامل باعتبارها مجرد أدوات ترفيه أو تواصل، بل باعتبارها فضاءً مؤثرًا في تشكيل وعي الأطفال وسلوكهم ومستقبلهم.