توجه الكولومبيون إلى صناديق الاقتراع في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، في استحقاق يُنظر إليه بوصفه اختبارًا لمستقبل سياسات الرئيس المنتهية ولايته جوستافو بيترو، وسط انقسام بين معسكر يدافع عن استمرار نهج التفاوض مع الجماعات المسلحة، وآخر يدعو إلى تشديد المقاربة الأمنية لمواجهة تصاعد أعمال العنف.
من شمال غرب قارة أمريكا الجنوبية وفي الدولة الوحيدة التي تطل على المحيط الهادئ والبحر الكاريبي، يدلي الكولومبيون بأصواتهم في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية؛ ليختاروا بين مرشحين ذوي رؤى متباينة جذريًا لمستقبل السلام في بلد يعاني منذ عقود من الصراع المسلح.
وجاءت الانتخابات بعد عشر سنوات من اتفاق السلام التاريخي مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية "فارك"، لكن عودة التوترات الأمنية والهجمات المسلحة خلال الأشهر الأخيرة أعادت ملف الأمن إلى صدارة المشهد السياسي، مع تحول التصويت إلى استفتاء غير مباشر على حصيلة حكومة بيترو، بحسب صحيفة "ذا جارديان" البريطانية.
سباق ثلاثي
تصدّر السيناتور إيفان سيبيدا، حليف بيترو ومرشح تيار "الميثاق التاريخي"، استطلاعات الرأي عبر برنامج يقوم على استكمال مبادرة "السلام الشامل" القائمة على التفاوض مع الجماعات المسلحة المتبقية، إلى جانب مواصلة الإصلاحات الاجتماعية التي شملت رفع الحد الأدنى للأجور وتوسيع الخدمات العامة، إلا أن تقديرات عدة رجحت عدم حصوله على الأغلبية المطلوبة من الجولة الأولى.
وفي الأثناء، برز منافساه الرئيسيان أبيلاردو دي لا إسبرييا وبالوما فالنسيا بخطاب يركّز على تشديد الإجراءات الأمنية، إذ دعا دي لا إسبرييا إلى تبني نموذج أكثر صرامة في مكافحة الجريمة مستلهماً تجربة السلفادور، بينما قدمت فالنسيا نفسها بوصفها امتداداً للتيار المحافظ المرتبط بالرئيس السابق ألفارو أوريبي، مع التركيز على تحفيز الاقتصاد وتشديد المواجهة مع الجماعات المسلحة.
إذا لم يحصل أي مرشح على 50% على الأقل من الأصوات -وهو أمر نادر للغاية في كولومبيا- فسوف يواجه المرشحان الحاصلان على أعلى الأصوات جولة إعادة في يونيو المقبل.
ملف الأمن
شهدت الحملة الانتخابية تصاعدًا في المخاوف الأمنية بعد تكرار الهجمات المسلحة والطائرات المسيّرة في مناطق مختلفة، كما ظل مقتل المرشح الرئاسي ميجيل أوريبي تورباي خلال تجمع انتخابي العام الماضي حاضرًا في النقاش العام بشأن قدرة الدولة على ضبط الوضع الأمني.
إضافة إلى ذلك، تعرضت سياسة "السلام الشامل" لانتقادات من خصوم الحكومة الذين اعتبروا أن بعض الجماعات المسلحة استغلت فترات وقف إطلاق النار لإعادة تنظيم صفوفها، بينما يرى مؤيدوها أن إنهاء عقود من النزاع يتطلب حلولاً سياسية واجتماعية وليس أدوات أمنية فقط.
توجهات متباينة
أظهر المرشحان المحافظان تقاربًا مع بعض توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خصوصًا في ملفات الأمن والهجرة والسياسات الإقليمية، في حين حافظ سيبيدا على خطاب يدعو إلى تعزيز الإنفاق الاجتماعي والحوار الداخلي كوسيلة لمعالجة جذور النزاع.
وسرعان ما تحولت الأنظار إلى احتمال إجراء جولة إعادة خلال يونيو المقبل إذا لم يحصل أي مرشح على أكثر من 50% من الأصوات، وهو سيناريو قد يعمق الاستقطاب السياسي ويحدد الاتجاه الذي ستسلكه كولومبيا خلال السنوات المقبلة بين استمرار الإصلاحات أو العودة إلى نهج أمني أكثر تشدداً.