أدت الحرب الأمريكية الإيرانية واستمرار اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار الوقود في معظم دول العالم، إلا أن حفاظ إسبانيا على أسعار الوقود لديها، جعلها إحدى الدول الأقل سعرًا في أوروبا، ما دفع آلاف السائقين الفرنسيين إلى عبور الحدود بانتظام للتزود بالوقود منها بأسعار أقل.
وأظهرت المشاهد اليومية في بلدة لا جونكيرا الحدودية شمال شرق إسبانيا ازدحام محطات الوقود بسيارات قادمة من فرنسا، حيث يبلغ سعر لتر البنزين في بعض المناطق الفرنسية نحو 2.09 يورو مقابل نحو 1.60 يورو داخل إسبانيا، فيما امتد الفارق أيضًا إلى أسعار السجائر نتيجة اختلاف مستويات الضرائب، بحسب صحيفة "ذا صنداي تايمز" البريطانية.
حزمة طاقة
كانت حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أعلنت في نهاية مارس الماضي عن حزمة دعم للطاقة بقيمة خمسة مليارات يورو بهدف الحد من آثار الحرب في الشرق الأوسط على المستهلكين، وشملت الإجراءات خفض ضريبة القيمة المضافة على الوقود من 21% إلى 10% حتى 30 يونيو المقبل.
وساعدت هذه الإجراءات على جعل أسعار الوقود هي الأقل من معظم الدول الأوروبية، في الوقت نفسه تبنت دول أخرى خطوات مشابهة، إذ خفّضت بولندا ضريبة القيمة المضافة على الوقود، بينما قلّصت أيرلندا الرسوم المفروضة على الديزل والبنزين، كما مددت بريطانيا التخفيض المطبق على رسوم الوقود.
تنويع الإمدادات
اعتمدت إسبانيا إلى جانب التخفيضات الضريبية على تنويع مصادر النفط، إذ تستورد خامها من الولايات المتحدة والمكسيك وفنزويلا إلى جانب دول أخرى، ما خفف اعتمادها على منطقة الخليج مقارنة بدول أوروبية أخرى.
وأوضح مسؤولون في قطاع الطاقة الإسباني أن شركات مثل "ريبسول" و"بي بي" و"موفيفي" استثمرت خلال السنوات الماضية في تطوير قدرات التكرير المحلية، بينما أغلقت دول أوروبية أخرى بعض مصافيها، الأمر الذي منح إسبانيا قدرة أكبر على التعامل مع أنواع مختلفة من النفط الخام والحفاظ على استقرار الإمدادات.
إضافة إلى ذلك تستورد إسبانيا نحو 30 نوعًا من النفط من 20 دولة مختلفة، وهو ما وفر مرونة أكبر مقارنة بدول واجهت صعوبات بعد إعادة تشكيل أسواق الطاقة العالمية منذ الحرب الروسية الأوكرانية.
تنافس السوق
استفادت السوق الإسبانية أيضًا من تعدد الشركات العاملة في مختلف مراحل سلسلة الطاقة، بدءًا من الاستيراد والتكرير وحتى التوزيع، وهو ما عزز المنافسة وخفض الأسعار مقارنة بأسواق أكثر تركيزًا.
وسجلت محطات الوقود في المناطق الحدودية زيادة بنحو 23% في عدد العملاء منذ تطبيق الإجراءات الحكومية الأخيرة، بينما أكد عاملون في القطاع أن الإقبال الفرنسي على الوقود الإسباني أصبح جزءًا من النشاط الاقتصادي المعتاد في المناطق الحدودية.
تحديات مقبلة
واجهت الحكومة الإسبانية تساؤلات بشأن قدرة مدريد على الاستمرار في تمويل هذه التخفيضات، خاصة مع تحذيرات المفوضية الأوروبية من أن تقليص الضرائب إلى ما دون الحدود الأوروبية الدنيا قد يثير إشكالات قانونية إذا تم تمديده بعد يونيو.
ورأى خبراء اقتصاد أن خفض الأسعار يمنح المستهلكين حماية قصيرة الأجل لكنه قد يضعف الحوافز لترشيد الاستهلاك، في الأثناء اعتبر آخرون أن الأزمة الحالية تؤكد الحاجة إلى تسريع تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في البدائل المتجددة لتقليل التعرض لصدمات أسواق النفط مستقبلًا.