تتزايد أصوات المسيحيين الفلسطينيين المحذرة من تدهور أوضاعهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسط اتهامات لإسرائيل والمستوطنين بتصعيد الاعتداءات ضد المجتمعات المسيحية وممتلكاتها ومواقعها الدينية، في ظل مخاوف متنامية من تسارع نزيف الهجرة وتراجع الوجود المسيحي التاريخي في الأرض المقدسة.
أراضٍ مفقودة ومنازل مهجورة
في بلدة الطيبة الفلسطينية الواقعة شمال القدس، التي تعد آخر بلدة فلسطينية ذات أغلبية مسيحية كاملة في الضفة الغربية المحتلة، يصف الأب بشار فوادلة، كاهن رعية اللاتين، واقع السكان بأنه "حصار دائم" فرضته اعتداءات المستوطنين والقيود الإسرائيلية، وفقًا لتقرير صحيفة "لوموند" الفرنسية.
ويقول "فوادلة"، إن البلدة التي ارتبط اسمها بالروايات المسيحية القديمة لم تعد تشكّل ملاذًا آمنًا حتى لأبنائها، مشيرًا إلى أن السكان يواجهون هجمات متكررة من مستوطنين يعملون تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وتعيش الطيبة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 1200 نسمة جميعهم من المسيحيين، وسط طوق من المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراضٍ تعتبر غير شرعية وفق القانون الدولي. ويؤكد الأهالي أن الوصول إلى الأراضي الزراعية ومصادر الرزق بات أكثر صعوبة، بينما تتحكم بوابات عسكرية إسرائيلية في حركة الدخول والخروج من البلدة.
بحسب شهادات السكان، بدأت الضغوط تتصاعد منذ عام 2019 مع إقامة بؤر استيطانية جديدة قرب البلدة، قبل أن تتطور إلى اعتداءات أكثر عنفًا شملت الاستيلاء على أراضٍ زراعية ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم.
ويؤكد رجال دين وسكان محليون للصحيفة، أن عشرات العائلات الفلسطينية أُجبرت على مغادرة أراضيها، فيما تعرضت المحاصيل الزراعية للسرقة أو الإتلاف، كما أُحرقت منازل ومركبات خلال السنوات الأخيرة.
ومن بين المتضررين رجل الأعمال رولاند بصير، الذي يملك محجرًا ومصنعًا للإسمنت في البلدة. ويقول إن منشآته تعرضت لهجمات متكررة من المستوطنين، أدت إلى تعطيل العمل وإلحاق خسائر كبيرة به.
وأضاف بصير: "أشعر وكأنني أذهب إلى جبهة قتال كلما توجهت إلى عملي"، مشيرًا إلى أن المحجر توقف عن العمل بعد سيطرة مستوطنين على المنطقة المحيطة به، بينما بات المصنع يعمل بقدرة محدودة نتيجة الاعتداءات المتكررة.
أما زوجته ساندرا فتقول إنها تعيش حالة خوف مستمرة على حياة زوجها، موضحة أنها تخشى ألا يعود إلى المنزل في كل مرة يخرج فيها لمتابعة أعماله.
استهداف المواقع المسيحية
وتحدث رجال الدين في الطيبة عن تصاعد استهداف الرموز والمواقع المسيحية، مشيرين إلى أن مستوطنين أضرموا النار في يوليو 2025 في بقايا كنيسة القديس جورج البيزنطية التي تعود إلى القرن الخامس الميلادي، وتعد من أقدم المعالم المسيحية في فلسطين.
وأكدت الكنائس الثلاث الرئيسية في البلدة آنذاك أن هذه الاعتداءات تهدد وجود المجتمع المسيحي على أرضه التاريخية، داعية إلى تحرك دولي لحماية السكان والمقدسات.
ويحذر الأب فوادلة من أن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال سقوط قتلى نتيجة الاعتداءات المستمرة، لافتًا إلى إصابة عدد من سكان البلدة خلال السنوات الأخيرة.
وتعكس الطيبة أزمة أوسع يعيشها المسيحيون الفلسطينيون، الذين تراجعت نسبتهم إلى نحو 2% فقط من سكان الأراضي الفلسطينية.
وبحسب سكان البلدة، غادرت منذ عام 2023 ما لا يقل عن 16 عائلة وعدد من الأفراد إلى الخارج بحثًا عن الأمن والاستقرار، ما أدى إلى انخفاض عدد السكان بصورة ملحوظة.
ويقول الأب البينديكتي نيكوديموس شنابل، المسؤول في دير الرقاد بالقدس، إن التراجع الديموجرافي للمسيحيين الفلسطينيين أصبح "مسارًا مستمرًا"، موضحًا أن كثيرًا من العائلات باتت ترى الهجرة خيارًا واقعيًا في ظل الأوضاع الحالية.
وأضاف "شنابل" أن العديد من المسيحيين يتساءلون عما إذا كانوا يريدون لأبنائهم أن يكبروا في بيئة يشعرون فيها بانعدام الأمن وتزايد الضغوط السياسية والاجتماعية.
مخاوف في القدس
ولا تقتصر المخاوف على الضفة المحتلة، إذ يقول رجال دين مسيحيون في القدس المحتلة إنهم يشهدون تصاعدًا في مظاهر العداء ضد المسيحيين خلال السنوات الأخيرة.
وأشار الأب "شنابل" إلى أن حالات الإساءة اللفظية والاعتداءات التي يتعرض لها رجال الدين المسيحيون من قبل متطرفين يهود أصبحت أكثر وضوحًا، معربا عن اعتقاده بأن السلطات الإسرائيلية لا تتعامل مع ظاهرة الكراهية ضد المسيحيين بالجدية الكافية.
كما أثارت محاولات السيطرة على عقارات وأراضٍ في الحي الأرمني بالقدس القديمة قلقًا واسعًا داخل المجتمع المسيحي، الذي يرى في هذه التحركات تهديدًا إضافيًا لوجوده التاريخي في المدينة المقدسة.