بين تصعيد ميداني متسارع ورسائل سياسية متضاربة، تتواصل المواجهة بين واشنطن وطهران على وقع ضربات متبادلة واتهامات متصاعدة تُنذر بجر منطقة الشرق الأوسط إلى مربع الصراع المفتوح.
فبينما تتواتر التقارير عن تفاهمات غير مكتملة ومحاولات لاحتواء التوتر عبر وساطات إقليمية، تعود لغة القوة لفرض نفسها ميدانيًا، إذ شهد فجر اليوم الخميس، تصعيدًا عسكريًا، تبادلت الولايات المتحدة وإيران ضربات جديدة، وشنت القوات الأمريكية غارات استهدفت طائرات مسيّرة ومنصات إطلاق صواريخ إيرانية قرب مضيق هرمز، أسفرت عن تدمير محطة تحكم أرضية قرب بندر عباس، وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف قاعدة جوية أمريكية، قال إنها كانت مصدر الضربات الأخيرة.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، برزت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول "فرصة وجيزة" مُنحت لطهران بطلب باكستاني لإبرام اتفاق وصفه بـ"المثالي"، مشددًا على أن بلاده لن تقبل بتفاهمات جزئية.
وأعقب التصريحات الأمريكية تقرير لموقع أكسيوس يفيد بتوصل المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون إلى اتفاق بشأن مذكرة تفاهم تُفضي إلى تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا آخرين، يتم خلالها مناقشة كل الملفات العالقة بين البلدين، مع الالتزام برفع الحصار البحري عن طهران، مقابل عودة الملاحة إلى مضيق هرمز.
اتفاق جيد
في قراءة لخلفيات الموقف الأمريكي والرهان على عامل الوقت، يرى عميد معهد السياسات الدولية بواشنطن، جيمس روبنز، خلال تصريحات لـ"القاهرة الإخبارية"، أن هناك رغبة حقيقية لدى الإدارة الأمريكية للتوصل إلى تسوية، موضحًا أن "الرئيس ترامب يسعى لاتفاق جيد وصارم، وليس كالاتفاقات السابقة التي كان الأمريكيون يهرولون لتوقيعها لمجرد الحصول على أي توقيع إيراني".
ويضيف "روبنز"، أن "الرئيس ترامب غير مستعجل، ولا يعاني من قلق بشأن السياسات الداخلية أو الانتخابات القادمة في نهاية العام، ولهذا السبب تستغرق المفاوضات وقت أطول مما اعتدنا عليه".
وفي المقابل، يقدم أستاذ العلوم السياسية بالقاهرة، الدكتور حسن سلامة، خلال تحليله للموقف عبر شاشة "القاهرة الإخبارية"، رؤية مغايرة تمامًا لهدوء واشنطن، واصفًا الحديث عن "الفرصة الوجيزة" بأنه ليس سوى "مهلة تكتيكية مكررة تُبقي المنطقة في دائرة مفرغة ومتاهة سياسية".
ويعتبر "سلامة"، أن ترامب يمارس مناورة تهدف إلى مغازلة أسواق الطاقة والداخل الأمريكي، الذي يعاني من أعباء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود، دون تقديم معايير حقيقية لـ"الاتفاق المثالي" الذي قد يعني -من وجهة النظر الإيرانية- شروط استسلام وإذعان، لافتًا إلى أن فجوة عدم الثقة بين الطرفين تزداد، خاصة مع طرح ترامب بمصادرة اليورانيوم المخصب ورفضه لوجود دول بديلة مثل روسيا أو الصين كخيار ثالث، ما يراه سلامة أمر "مرفوض عمليًا ومنطقيًا من قبل طهران".
تبادل محدود
وعلى صعيد الخروقات العسكرية المستمرة لوقف إطلاق النار، يقلل الخبير الأمريكي جيمس روبنز، من خطورة الاحتكاكات الراهنة، معتبرًا إياها "تبادلًا محدودًا للنار وليس تصعيدًا واسعًا".
ويشير روبنز، بأصابع الاتهام إلى وجود "فصائل داخل إيران -غير راضية عن وحدة القرار الحكومي- تحاول بكل قوتها إفساد المفاوضات"، مستشهدًا بالهجوم الأخير على الإمارات، الذي أقرّت طهران لاحقًا بعدم مصداقيته الرسمية، ومؤكدًا أن "الولايات المتحدة ترد فقط بحجم الحدث لحماية قواتها، ولن تُستدرج لتصعيد عسكري واسع النطاق يفسد مسار الدبلوماسية".
هذا التفسير يتقاطع معه الدكتور حسن سلامة، بالتحذير من طبيعة التهديد الأمريكي بـ"إنهاء المهمة"، موضحًا أن ترامب يطبق عمليًا إستراتيجية "التفاوض تحت النار"، مستندًا إلى الحشد العسكري المكثف في الخليج.
ويرى سلامة أن الجانبين يستهلكان الوقت عبر "تصعيد منضبط" - كالضربات المتبادلة فجر اليوم- كنوع من الاختبار المتبادل لقدرات المبادأة والرد، معربًا عن مخاوفه من وجود "خطة خبيثة" تهدف لإبقاء إيران كمصدر تهديد دائم للمنطقة العربية دون حسم نهائي، ومحذرًا من أن استمرار المراوغة قد ينزلق بالمنطقة إلى سيناريو كارثي يطال منشآت الطاقة والجسور والبنية التحتية الإقليمية، إذ لن تقف طهران مكتوفة الأيدي وسيكون الخليج أقرب مجال حيوي لردها الانتقامي.
خلف الكواليس
وفي حين يكشف روبنز عن وجود "علامات تقدم ملموسة وعملية" تجري خلف كواليس المفاوضات البعيدة عن الشفافية، يشير إلى بوادر مرونة من جانب ترامب بشأن إمكان بقاء اليورانيوم المخصب داخل الأراضي الإيرانية شريطة خضوعه لإشراف كامل وصارم من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبرًا هذا الطرح "تنازل مقبول يثبت نجاح فن التفاوض والدبلوماسية".
وبحسب تحليل حسن سلامة، الذي يؤكد أن ترامب يقع في متناقضات إرضاء الحليف، إذ إن أي تسوية تُبقي على برنامج طهران النووي أو اليورانيوم المخصب بمثابة "كارثة وجودية لإسرائيل".
ويجزم سلامة بأن تل أبيب لن ترضى بأي اتفاق نووي جديد حتى لو انخفضت نسب التخصيب تحت 4%، لأنها "قائمة على فكرة التوتر وحلم الهيمنة، وتجد في الحرب الدائرة بجنوب لبنان واستهداف وكلاء طهران فرصة مثالية".
واختتم سلامة مقارنته بالتأكيد أن المسألة بالنسبة لتل أبيب "حرب إفناء لتدمير البنية النووية الإيرانية كاملة، وأي اتفاق إطاري سيبقى هش وستسعى إسرائيل لإفساده عاجلًا أم آجلًا".