أعلنت وزارة الأوقاف المصرية انطلاق الموسم الثاني من برنامج "دولة التلاوة"، في إطار جهودها لنشر صحيح الدين وإحياء مدرسة التلاوة المصرية، بمشاركة نخبة من القرّاء والعلماء من مصر والعالم الإسلامي.
ولم يعد البرنامج مجرد مسابقة لاكتشاف المواهب، بل تحول إلى منصة دينية وثقافية تعكس قوة مصر الناعمة في مجال التلاوة والإنشاد، خصوصًا مع الاهتمام العربي والإسلامي المتزايد بالمدرسة المصرية التي أنجبت كبار القرّاء، الذين ظلت أصواتهم حاضرة في المساجد والإذاعات، من القاهرة إلى القدس والرباط والعواصم الإسلامية المختلفة.
نماذج متميزة
وشهد الموسم الأول من برنامج "دولة التلاوة" بروز عدد من الأصوات المميزة التي لاقت تفاعلًا واسعًا من الجمهور ولجان التحكيم، من بينهم المتسابق محمد كامل، وأشرف سيف، وعمر علي، الذين نجحوا في تقديم نماذج متميزة من التلاوة والابتهال، عكست قوة المدرسة المصرية في الأداء القرآني.
4 مليارات مشاهدة
وحقق برنامج "دولة التلاوة" انتشارًا واسعًا منذ انطلاق موسمه الأول، بعدما نجح في جذب اهتمام ملايين المتابعين داخل مصر وخارجها، عبر شاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي المختلفة، مستفيدًا من حالة التفاعل الكبيرة مع المحتوى الديني الهادف وبرامج اكتشاف الأصوات القرآنية المتميزة.
وأكدت وزارة الأوقاف أن البرنامج أعاد تقديم التلاوة المصرية بصورة عصرية جذبت مختلف الفئات العمرية، خاصة الشباب، وكشف وزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهري، في تصريحات تلفزيونية سابقة، عن أن برنامج "دولة التلاوة" حقق نحو 3 مليارات و700 مليون مشاهدة عبر المنصات المختلفة.
وأوضح أن الوزارة أتاحت حقوق بث المحتوى لجميع الصفحات والمنصات الإلكترونية؛ بهدف توسيع دائرة الانتشار والوصول إلى الجمهور العربي والإسلامي، وهو ما ساهم في تحقيق نسب مشاهدة ضخمة وغير مسبوقة لبرنامج ديني متخصص في التلاوة والابتهال.
جيل جديد
وأكد وزير الأوقاف المصري، في تصريحات تلفزيونية سابقة خلال احتفالية ليلة القدر، في مارس الماضي، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أن نجاح البرنامج لم يكن قائمًا فقط على فكرة المسابقة، وإنما على تقديم رسالة تستهدف إحياء مدرسة التلاوة المصرية واكتشاف جيل جديد من القرّاء أصحاب الأصوات المؤثرة، مشيرًا إلى أن التجربة شهدت تفاعلًا عربيًا واسعًا، وأن الموسم الثاني سيشهد مزيدًا من التطوير والتوسع بعد النجاح الكبير الذي حققه الموسم الأول.
ضوابط المشاركة في الموسم الثاني
وتنقسم المسابقة في موسمها الجديد إلى فرعين رئيسيين هما "فرع التجويد" و"فرع الترتيل"، ورصدت اللجنة المنظمة جوائز مالية ضخمة تبلغ مليون جنيه للفائز بالمركز الأول في كل فرع.
وأوضحت وزارة الأوقاف المصرية، أن المشاركة مفتوحة لكافة الأعمار من الموهوبين وأصحاب الأصوات الحسنة في جميع أنحاء الجمهورية، بالإضافة إلى السادة الأئمة الراغبين في خوض المنافسة.
وتستهدف المسابقة اكتشاف ورعاية المواهب المتميزة في تلاوة كتاب الله، وإعداد جيل جديد من القراء المتقنين، بما يعزز مكانة مصر الدولية بوصفها "دولة التلاوة".
شروط وضوابط الترشح:
حددت اللجنة المنظمة مجموعة من الشروط الواجب توافرها في المتقدمين، وجاءت كالتالي:
- الإجادة التامة لأحكام التجويد والترتيل.
- الاشتراك في فرع واحد فقط من فرعي المسابقة.
- ألا يكون المتقدم من القراء أو المبتهلين المعتمدين باتحاد الإذاعة والتلفزيون.
- ألا يكون المتقدم من قراء السور المعتمدين بوزارة الأوقاف.
- عدم وصول المتقدم إلى تصفيات ونهائيات الموسم الأول من المسابقة.
استنهاض الهمة ونشر الوعي
وفي هذا السياق، قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الأوقاف المصرية، الدكتور أسامة رسلان، إن الوزارة انطلقت نحو استنهاض الهمة المصرية وإطلاق آفاق التميز في مجالات الأمن والمناعة الفكرية، ونشر الوعي، وإبراز المواهب في حفظ وتلاوة القرآن الكريم والابتهال والإنشاد، مستشهدًا ببيت شاعر النيل حافظ إبراهيم: "مَنْ له مثل أولياتي ومجدي؟!"، مؤكدًا أن هذا التميز هو مما تتفرد به مصر بين العالمين.
وفي حديثه لموقع "القاهرة الإخبارية"، أوضح المتحدث الرسمي أن هذا التوجه تجسد في مشروع "دولة التلاوة" بموسمه الأول، الذي حقق نجاحًا مبهرًا وانتشارًا مذهلًا، حيث نجح في جذب مختلف الشرائح الاجتماعية والعمرية أمام شاشات "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية" -شريك النجاح- في أوقات ذروة المشاهدة خلال العطلة الأسبوعية، وهو ما جاء مخالفًا لجميع التوقعات والآراء التي سبقت التنفيذ بشأن مدة البرنامج وتوقيته ومحتواه.
وأعلن الدكتور رسلان عن إطلاق الوزارة للموسم الثاني من المشروع يوم وقفة عرفات وقبيل عيد الأضحى المبارك، واصفًا هذا التوقيت بأنه يأتي امتدادًا لـ"موسم الفرح"، وحلقة وصل بين حفل التكريم الذي أُقيم ليلة القدر في السابع والعشرين من رمضان الماضي كمستقر للموسم الأول، وبين المفتتح الجديد للموسم الثاني.
وثمّن المتحدث باسم وزارة الأوقاف الرعاية الكريمة التي يحظى بها هذا المشروع من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وحرصه على تكريم الفائزين بنفسه، لينضم هذا التكريم إلى التقليد الرمضاني السنوي المتبع في تكريم حفظة كتاب الله الفائزين في مختلف فروع المسابقة العالمية للقرآن الكريم، وهو ما يليق بمكانة مصر وتاريخها.
وأكد متحدث الأوقاف أن الوزارة تمضي بثبات على طريق النجاح لتقديم الخطاب الديني المصري المستنير، الذي أنار الدنيا بأسس العلم ومعاني الجمال، مشددًا على أن "دولة التلاوة" مشروع مستمر، وأجمل ما فيه أنه -ككل إسهام حضاري مصري- يبدأ بتجربة رائدة وينتهي بنموذج يُحتذى به.
استعادة ريادة مصر القرآنية
وفي هذا السياق، أشاد أستاذ اللغة بجامعة قناة السويس بمنطقة شمال شرق مصر، الدكتور محمد داوود، بانطلاق الموسم الثاني من مسابقة "دولة التلاوة"، واصفًا المشروع بأنه فكرة حضارية باسقة تنبثق من أرض مصر المباركة، لتتجاوز حدود التقليد وتعانق آفاق الإبداع، مستعيدة ريادة مصر التاريخية بصفتها منارة لا تغيب عنها شمس القرآن الكريم.
وفي حديثه لموقع "القاهرة الإخبارية"، أوضح "داوود" أن البرنامج يمثل محرابًا إيمانيًا طاهرًا يستمد شرعيته من مشكاة الوحي الرباني، معتبرًا إياه "وثبة فكرية عبقرية" قفزت فوق الأنماط الاستهلاكية والمحتويات العابرة التي تضج بها الشاشات في العصر الحالي، ليعيد صياغة الوعي ويذكر الدنيا بأن دولة التلاوة المصرية — التي تربع على عرشها عمالقة كـ محمود خليل الحصري، ومحمد صديق المنشاوي، ومصطفى إسماعيل، وعبد الباسط عبد الصمد — ليست مجرد تاريخ يُروى، بل حاضر يتجدد ومستقبل يُبنى.
صناعة جيل الإتقان
وأكد أستاذ اللغة بجامعة قناة السويس المصرية أن المسابقة لم تقف عند حدود التنقيب عن الأصوات الحسنة، بل تحولت إلى مصنع تربوي لصياغة القارئ المتقن، متكئة على أركان أربعة تشكل ميزان الأداء الكامل، وهي الدقة والضبط من خلال أحكام التجويد ومخارجها الصارمة، والإتقان الفني عبر براعة التنقل المقامي والتصويري، والجمال والحسن المعتمد على عذوبة الصوت الفطرية الموهوبة، والخشوع والتلقي المرتكز على أثر القلوب الباكية وفقه التأثر.
وأشار إلى أن البرنامج يبث، من خلال هذا الميزان، شغف العطاء في نفوس الشباب الكامنين في قرى مصر ومدنها، ليخرج أصواتًا ذهبية فذة تدرك أن قارئ القرآن هو حامل رسالة وسفير لكلام الله في الأرض، مبينًا أن العبقرية المصرية انفردت تاريخيًا بدمج "صرامة العلم" بـ"مرونة الفن" عبر صفاء المخارج وروعة المقامات؛ ليرسم القارئ الشاب شخصيته القرآنية المستقلة.
أعمدة العبقرية المصرية
وفي سياق تحليله للمدرسة المصرية الفريدة، استعرض الدكتور محمد داوود ثلاثة صروح كبرى مثّلت قوام هذه المدرسة وتنوعها العبقري:
أولًا: مدرسة فنون الأداء والتصوير المقامي، مصطفى إسماعيل، وتتجلى فيها عبقرية "النغم في خدمة المعنى" كأداة هندسية صوتية بالغة الدقة وتصوير وجداني يفسر الآيات؛ فتفيض آيات الجنة رجاءً وفرحًا، وتُكسى آيات العذاب بمهابة تخلع القلوب، وكأن السامع يرى المشهد رأي العين.
ثانيًا: مدرسة الخشوع الشجي والعمق الإنساني، محمد صديق المنشاوي، وهي المدرسة التي خاطبت الأرواح قبل الآذان، وتميزت بالخشوع المتفرد متعدد الأبعاد، حيث عبّر بصوته الخاشع وبصدق وصفاء مطهر عن الفرح والسرور في آيات النعيم، تمامًا كما عبّر عن الحزن والوجل في آيات الوعيد والمواقف المهيبة دون تكلف.
ثالثًا: مدرسة الإتقان والضبط والتحقيق الصارم، محمود خليل الحصري، التي أسست نموذجًا فريدًا في الانضباط والدقة، جعل من الأحكام والمدود ميزانًا ذهبيًا لا يختل شعرة، حيث يتولد الجمال من رحم الإتقان، لتصبح تسجيلاته المرجع التعليمي العالمي الأول والقدوة الأسمى لملايين الحفاظ والمتعلمين في شتى بقاع الأرض.
مصر المحراب الأكبر
وأكد أن فلسفة الجمال في التلاوة ليست ترفًا صوتيًا، بل وسيلة لتعظيم كلام الله وطرق أبواب القلوب للتدبر، وشدد على أن نجاح "دولة التلاوة" لا يُقاس بالرواج المؤقت، بل بقدر ما يصنعه من تعظيم لكتاب الله، مؤكدًا أن مصر ستبقى صاحبة الريادة الممتدة التي تنجب للعالم أجيالًا يرتلون القرآن بجلال وإبداع، لترسيخ القاعدة الكبرى بأن التلاوة عبادة، ورسالة، وسفارة عن رب العالمين في الأرض.