"لا أحد يحيا لنفسه كما يشاء
ولكننا نراك في كل مكان
تحيا فينا - ولنا
وأنت لا تدري، ولا تعلم"
هذا الذي يحيا فينا هو غسان كنفاني. وهذا الذي نراه في كل مكان هو غسان كنفاني.. وهذا الذي يحيا لنا.. هو غسان كنفاني.. هو.. وهو.. وهو.. هو الكاتب والصحفي والأديب والمناضل ـ وقبل ذلك -وبعد ذلك- هو الإنسان، وهذه الكلمات التي بين الأقواس جزء من مرثية كتبها الشاعر الفلسطيني محمود درويش وهو يبكيه بعد اغتياله في حي الحازمية ببيروت عام 1972 وكتب أيضًا يقول:
"لم تكن رجلًا
كنت إنسانية
لم تمتشق قلمًا
لم تمتشق بندقية
لم تمتشق إلا دمَك"
وإن كان محمود درويش يرى أنه لا أحد يحيا لنفسه كما يشاء، فإن الواقع والأحداث والتاريخ والرسائل تؤكد لنا أن غسان كنفاني عاش لنفسه كما يشاء.. قاوم.. وناضل.. وتزوج.. وكتب.. وهاجر.. وسافر.. وعارض.. ووسط كل ذلك، ومع كل ذلك، وقبل وبعد كل ذلك، تحركت مشاعره كأي إنسان طبيعي جدًا، وأحب كما يشاء.
•••
وهل المقاوم يُحب؟ وهل المناضل يُحب؟ وهل الفارس يُحب؟ وهل الصادق -في قوله ومواقفه وآرائه- يُحب؟ لكن قبل الإجابة عن هذه الأسئلة كلها أمامنا سؤال آخر فشلت البشرية قاطبة في أن تحدد له إجابة محددة وواضحة وصريحة.
السؤال هو: ما الحب؟
•••
سُئل عميد الأدب العربي طه حسين عن الحب فقال: "نعيم لا يتجدد حتى يتمدد".. فهل عاش غسان في هذا النعيم؟ ربما.
وسُئل الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة عن الحب فقال: "أن يندمج المُحب بمحبوبته فيصبح الاثنان واحدًا"؟، فهل اندمج غسان في غادة؟ .. أشك.
وسئُلت الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان عن الحب فقالت: " قوة للخير وباعث للحياة"، فهل كان الحب في حياة غسان باعثًا للحياة؟ لا أظن.لجحيم -كما تقول لنا المرويات في عصره- بدل المرة مرّات، فهل عاش غسان كنفاني في هذا الجحيم مع غادة؟ سطور رسائله الغرامية لها تقول: نعم.
وسئُلت الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان عن الحب فقالت: "قوة للخير وباعث للحياة"، فهل كان الحب في حياة غسان باعثًا للحياة؟ لا أظن.
فقد مات وعمره 36 سنة.
وعندما سُئل الكاتب المصري أنيس منصور عن الحب، قال: "في جوهره.. اهتمام بإنسان"، فهل اهتمت غادة السمان، هذا إذا كانت أحبت غسان أصلًاـ به كما اهتم بها؟ الإجابة هنا تأتي: لا.
تقول غادة السمان: "لا أستطيع الادعاء -دون أن أكذب- أن غسان كان أحب رجالي -لاحظ لفظ رجالي- إلى قلبي كامرأة، كي لا أخون حقيقتي الداخلية مع آخرين سيأتي دور الاعتراف بهم -بعد الموت- بعضهم جاء قبل الموت، وبالنار التي أوقدوها في زمني وحرفي.. ولكنه -تقصد غسان- بالتأكيد كان أحد الأنقياء القلائل بينهم".
ويقول الشاعر الفلسطيني معين بسيسو عن الحب: "هو حب الأرض.. وحب المقاومة"، فهل أحب غسان كنفاني فلسطين أرضًا ومقاومةً، الإجابة بالطبع: نعم.
ويقول الشاعر المصري صلاح عبدالصبور: "الحب ثلاث مراحل: حزن ومرض وموت"، وهذا ما حدث مع غسان منذ طفولته، وكأن "عبدالصبور" -ودون أن يدري- قد تنبأ بهذه الثلاثية في حياة غسان، فهاجرت أسرته بعد النكبة من فلسطين إلى سوريا ثم أصيب بداء السكري اللعين فى طفولته، وكان يضع على مكتبه دائمًا قلمين، أحدهعما يحقن به جسده بالأنسولين ليعيش، والآخر يحقن به جسد المقاومة الفلسطينية لتعيش.
ونختم هذه الأقوال -فالكلام عن الحب وفلسفته وتعريفه لن ينتهي- بقول أمير الشعراء أحمد شوقى عن الحب على لسان كليوباترا قائلًا: "الحياة حب.. والحب حياة"، فهل شعر غسان كنفاني بالحب وبالحياة؟ بالطبع: لا.
فلقد راح ضحية عملية اغتيال دنيئة اشتركت فيها أجهزة استخبارات دولية مع الموساد وهو في عز شبابه بعدما تم تفجير سيارته (ماركة أوستن 1100) عند الساعة العاشرة من صباح يوم 8 يونيو 1972 أمام بيته قبل أن يتحرك إلى مقر صحيفة الهدف التي أسسها ورأس تحريرها حينذاك.
•••
إذن، أحب غسان كنفاني غادة السمان، هذه حقيقة لا هروب منها، والحب ليس عيبًا، ليس تهمة، ليس ندبة، ليس أزمة.. لكن العيب والتهمة والندبة والأزمة عندما تقع في الحب شخصية -في رأي البعض- أسطورية لا تتكرر كثيرًا فى زمنه أو زماننا، كشخصية غسان كنفاني.
وبعد الحب -وفي أثنائه- كان غسان يكتب الرسائل الغرامية لغادة السمان، الأديبة السورية التي عاشت في لبنان ثم انتقلت للإقامة في لندن، وبعد استشهاده بعشرين سنة نشرت غادة هذه الرسائل في كتاب حمل عنوان (رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان) في يوليو 1992، وأحدث النشر دويًا وردود فعل عنيفة على كل الأصعدة في العالم العربي، حتى إن غادة السمان نفسها جمعت ردود فعل ما يقرب من 220 كاتبًا عربيًا ونشرتها في الطبعات التالية من الكتاب التي وصلت حتى عام 2020 إلى 11 طبعة.
•••
غادة السمان في مقدمة الكتاب تقول: "وها أنذا أترككم مع رسائله دون أن أنسى التعبير عن أسفي لاحتراق بعضها يوم احترق بيتي في بيروت خلال الحرب مطلع عام 1976 " -الرسائل من غادة إلى غسان لم تنُشر حتى الآن وطالبت بنشرها ممن يحتفظون بها ولم يجب عليها أحد حتى الآن- والرسائل كما هو ثابت بينهما بدأت في عام 1966 واستمرت حتى استشهاده، وفي هذه الرسائل لفت نظري أنها كُتبت ما بين بيروت والقاهرة وأسوان والسودان وغزة (نصيب بيروت 9 رسائل ونصيب القاهرة ثلاث وأسوان رسالة واحدة والسودان رسالة واحدة وغزة رسالة واحدة)، والمدهش في الرسائل -طبقًا للكتاب كمصدر- فإن الرسالة الأولى غير مؤرخة وكتبت غادة لنا إشارة تفسيرية توضيحية تقول لنا فيها: "رسالة غير مؤرخة لا أذكر التاريخ لعلها أول رسالة سطرها لي".
•••
لكن التاريخ -ولأنه تاريخ- يبدأ بما هو مؤرخ وهذا معناه أن الرسالة الأولى -المؤرخة- أرسلها غسان من القاهرة وتاريخها كما أشارت بقولها: "رسالة غير مؤرخة ولكن سياق الكلام فيها يدل على أنها كتبت في القاهرة -هكذا عرفنا المكان* آواخر تشرين الثاني (نوفمبر) قبل يوم 29 نوفمبر 1966 بيوم أو اثنين"، وبذلك عرفنا الزمان.
•••
أما الرسالة الثانية المؤرخة -بالمكان والزمان- فكانت من القاهرة أيضًا بتاريخ 1 فبراير 1967، ولقد حاولت في هذا البحث الاستقصائي الوصول إلى الأماكن التي جلس فيها غسان ليكتب لغادة من القاهرة رسائله.. في الكتاب يرسل غسان عنوانه لها في الرسالة الأولى قائلًا: "حاولي أن تكتبي لي: فندق سكاربيه، شارع 26 يوليو، القاهرة، فسيكون أحلى ما يلقاني حين عودتي (كان سافر إلى غزة لعدة أيام من القاهرة وعاد مرة أخرى) رسالة منك لأنني أعرف أنك لن تأتي.. آه يا عزيزة.. غسان كنفاني".
لكن قبل ختام الرسالة يقول لها: "حين قرأ أحمد بهاء الدين -وكان رئيسًا لتحرير مجلة المصور المصرية حينذاك- حديثك لي خطفه -ربما يقصد حديثه هو إليها- وقال لي -أي أحمد بهاء الدين- وهو يهز رأسه:
"أخيرًا أيها العفريت وجدت من يسكت شراستك.. وسينشر الموضوع في مجلة المصور"، وبحثت عن هذا الموضوع منشورًا في المجلة كما أشار -سواء كان من غسان إلى غادة أو من غادة إلى غسان- عبر أرشيف مؤسسة الهلال الصحفية في منطقة المبتديان، بجوار ضريح سعد باشا زغلول، وجئت بالمجلة -بعد دفع الرسوم المطلوبة والمحددة سلفًا- وتصفحت أعداد شهر نوفمبر (4 أعداد) فلم أجد أي نشر أو إشارة في المجلة.
وكانت هذه نقطة البداية للبحث عن الأماكن التي كتب فيها -أو نشر- غسان كنفاني رسائله من القاهرة.
في اليوم التالي ذهبت إلى وسط القاهرة للبحث عن فندق سكاربيه بشارع 26 يوليو في محاول للوصول للمكان الذي كتب فيه أول رسائله.. وقد كان.
•••
في الصباح خرجت من محطة مترو جمال عبدالناصر، وبدأت السير في شار ع 26 يوليو، سألت بائع صحف، فقال: "الفندق ده قديم.. ستجده بعد تقاطع شارع شريف"، أكملت السير حتى سألت سائق تاكسي فقال: "عارفه.. أدام شوية ستجده في ممر ضيق بعض الشيء"، تركته حتى وصلت بالفعل للممر أمام محلات قديمة كان اسمها (صيدناوي وشملا) يجرى لها تجديدات إنشائية حاليًا، دخلت إلى الممر، من مسافة قليلة لمحت لافتة صغيرة معلقة في نصف الممر مكتوب عليها: "فندق سكاربيه" والسهم يشير إلى اليمين، دخلت فوجدت أسانسير خاص بالفندق، صعدت إلى الأسانسير وضغط الدور السابع، وصلت بعد لحظات فوجدت موظف الاستقبال اسمه لطفي اسكاربيه -يشتهر بهذا الاسم- الذي قال لي:
"هذا الفندق يمتلكه أخوة فلسطينيون ويتوارثونه جيلًا بعد جيل وأنا أعمل فيه منذ 30 سنة تقريبًا" وهو يتكلم لمحت على واجهة الأسانسير صورة كبيرة للرئيس الراحل جمال عبدالناصر مكتوب تحتها: "عاش لنا ومات من أجلنا"، التوقيع منظمة التحرير الفلسطينية.
الآن.. فهمت لماذا نزل غسان فى هذا الفندق، سألني الموظف عن سبب مجيئي وسبب سؤالي قلت: في هذا الفندق كتب المناضل غسان كنفاني رسالة غرامية من القاهرة للأديبة غادة السمان، وأنا أريد أن أعرف الحجرة التي نزل فيها وأرى النافذة التي جلس بجوارها والمنضدة التي وضع عليها الورقه والقلم ليكتب لها.
هزّ رأسه ممتعضًا، وقال: "هذا تاريخ مر عليه 55 سنة تقريبًا.. ومن المستحيل أن تعرف ذلك.. والسجلات التي كانت تُدون فيها أسماء النزلاء لن تجد لها أثرًا".
سألته هل تسمع عن غسان كنفاني؟ هز رأسه: طبعًا، وباللهجة العامية المصرية قال: "هو كان فيه زيه.. راجل ابن راجل".. التقطت معه الصور واستأذنته فى تصوير صورة الرئيس جمال عبدالناصر.. وقد أذن، وبذلك عرفت مكان الرسالة الأولى في القاهرة.
في اليوم الثالث عدت إلى وسط القاهرة ميدان التحرير؛ للبحث عن الفندق الثاني -فندق كليوباترا- الذي كتب لها فيه رسالتين وكانت في عام 1967 -الرسالة الثانية هذه المرة من القاهرة إلى لندن حيث كانت قد سافرت إلى هناك- وبدأ الرسالة قائلًا: "عزيزة غادة: (يلعن........) ما الذي حدث؟ تكتبين لكل الناس إلا لي" -كتبت له بعد ذلك رسالة من لندن لم تذكر فيها سوى كلمتين: "شو هالبرد"- وكان غسان في القاهرة لحضور المؤتمر السياسي لاتحاد الصحفيين العرب، وكان منتدبًا من إحدى المنظمات لتمثيل فلسطين (كان المتحدث باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، وكانت الرسالة في يوم 4 فبراير، ويقول لها فيها: "عزيزتي الشقية، الضائعة، المسافرة التي لا تتذكر".
•••
وصلت إلى شارع طلعت حرب من ناحية محطة مترو جمال عبدالناصر، تأخر الزميل المصور لارتباطه بعمل آخر، وقفت -لتوثيق البحث لنفسي على الأقل- أبحث عن شخص فى الشارع يصورني، وجدت شابًا عشرينيًا يجري محادثة تليفونية من هاتفه، انتظرت حتى انتهى ثم شرحت له الموقف، وافق، سألته من أي بلد قال: "من محافظة قنا (صعيد مصر)، وقال إنه طالب يدرس في جامعة القاهرة.. قلت له فكرة التحقيق وذكرت له اسم غسان كنفاني، فتهلل وجهه قائلًا: "عارفه.. ده شخصية عظيمة".
أدهشني رده فسألته هل تعرفه؟ رد: "طبعًا.. كنت شاهدت فيلمًا تسجيليًا عنه على إحدى القنوات الإخبارية منذ فترة وبحثت عن روايته "رجال في الشمس" وقرأتها، ثم أخذ الهاتف من يدي وبدأ التصوير، شكرته ثم ودعته، وقبل أن نفترق قال: "أنا من بلد أمل دنقل"، فابتسمت وأنا أودعه، وقلت: "من كان من بلد أمل دنقل فمن الطبيعي أن يعرف غسان كنفاني"؟، وودعني بنفس الابتسامة حتى غاب خلف ضجيح السيارات.
•••
وبعدما ودعته اخترقت شارع طلعت حرب سيرًا على الأقدام أسأل عن فندق كليوباترا حتى وصلت إليه على مشارف ميدان التحرير من ناحية المتحف المصري (المتحف القديم)، دخلت إلى الاستقبال، سألت المؤظف عن الفندق الذي أراه -للأسف- للمرة الأولى، فقال: "الفندق الآن اسمه أركان كليوباترا وتم تجديده وتحديثه ورفع كفاءته التشغيلية وهو ملك لشركة قطاع عام مصرية".. حدثت الموظف -اسمه خلف- عن غسان كنفاني وعن يوم نزوله فى الفندق عام 1967 فابتسم وقال: "ده عمر تاني.. وصعب تجد أي معلومات عن النزلاء في هذا التاريخ الذي مر عليه سنوات طويلة"، قلت: وهل تسمع عن غسان كنفاني.. رد: "طبعًا.. هذا مناضل فلسطيني معروف بكتاباته ومواقفه وآرائه"، ثم قال: "اغتالوه وهو في عز شبابه.. ربنا يرحمه".
•••
وقفت أمام الفندق دقائق أتخيل الحجرة التي جلس فيها غسان والنافذة -النوافذ كلها تطل على ميدان التحرير (جامعة الدول العربية وجامع عمر مكرم تراهما بسهولة من بهو الفندق)- التي كان يجلس خلف نوافذها ليكتب رسالته الثالثة إلى غادة السمان، لكن فقدت حالة التخيل عندما جاء من يسألني -يبدو أنه من أمن الفندق- قائلًا: "عايز حاجة يا أستاذ"؟ قلت: لا.. شكرًا".. ثم غادرت المكان إلى الميدان الفسيح ومنه إلى محطة مترو السادات للعودة -بالقطار- إلى البيت.
في المترو جلست وفي يدي الكتاب، "الرسائل"، وعدت فيه إلى قراءة الرسائل -أو بعضها- ثم قرأت آراء الكتاب والنقاد العرب الذين علقوا على الكتاب واخترت بعضها لأنها كثيرة.. ومنها إبراهيم العريس الذي كتب في صحيفة الحياة عام 1993 قائلًا: "من أين كانت تأتيه هذه الطاقة العجيبة، التي جعلته يناضل ويكتب المقالة السياسية والرواية والقصة والشعر؟"، ثم عند العشية -كما يقول العريس- "يختلي إلى نفسه ليدون واحدة من رسائل الحب الرائعة"؟.
ومن العراق في صحيفة الجمهورية، كتبت ابتسام عبدالله عام 1992: "في رأيي إن غادة السمان لا غيرها الصادقة دائمًا مع نفسها وكتاباتها ومواقفها"، ومن لبنان كتب أنطوان خليل في مجلة الحوادث عام 1997 "سامح الله من قال: إن المرأة لا تكتم سرًا"، ومن الأردن كتبت أميمة ناصر: "وأتساءل لو مات غسان ميتة غير التي ماتها.. أكانت تفتخر غادة بحبه؟"، ومن الإمارات كتبت حسناء مكداش فى صحيفة الاتحاد: "باستشهاد غسان شوهت غادة صورته؟"، وترد من باريس إنعام كجه جى: "ما فى الهيام من خيلاء.. ومن لحظات ضعف.. ومن كان منا بلا ضعف فليرم غادة بحجر".
وفي الحياة اللندنية كتب ربعي المدهون عام 1992: "هنا يرقد غسان كنفاني وعلى شاهده كتبت غادة السمان أحلى عبارات الحب.. فصار زواره يقرأون له رسائل الحب بعد تلاوة الفاتحة"، وقال أبو علي مصطفى لمجلة صوت المرأة عام 1992: "برأيي غادة إنسانة أنانية وأنانية جدًا.. وليس من الحكمة أن يكون الإنسان على علاقة مع امرأة بهذه الأنانية".
•••
الآراء التي "كانت مع" و"كانت ضد" في الكتاب كثيرة ومتنوعة، ما بين مؤيد ومعارض ومنذ الطبعة الأولى وحتى اليوم يتكرر القبول والرفض، فرأيٌ يرى غسان كنفانى من أعظم وأبقى وأنقي المناضلين التاريخين للشعب الفلسطيني -وهو كذلك بالفعل- ولن تهزه رسالة أو رسائل غرامية كتبها في لحظات ضعف إنسانية وارد حدوثها.
وبين رأى آخر يري غادة السمان قوية وجريئة أفادت الأدب العربي -خاصة أدب الاعترافات- بنشر هذه الرسائل التي -حتى بعد نشرها- لم تنتقص من سيرة صاحبها.
•••
أما أنا فقد حاولت البحث في هذه الرحلة عن الأماكن الحقيقية التي كتب فيها رسائله فيها، وحاولت وزرت الأماكن وخرجت من هذه الرحلة بأنه مهما تغيرت الأماكن ومرت السنوات فإن اسم غسان كنفاني -حتى مع الأجيال الجديدة- لا يزال موجودًا، ونضاله مذكورًا، ومواقفه لا تزال تعيش ولم تتأثر لا بالزمن ولا بالرسائل لماذا؟
لأنه كما قال محمود درويش وهو يودعه: "غسان.. نراك في كل مكان.. تحيا فينا ولنا".
•••
الآن توقف المترو في محطة الوصول وغادرت وخرجت للشارع بجواري الركاب يهرولون، وأنا أختلس النظر إليهم فربما يخرج من بينهم وجه -أو هكذا أتصور- مناضل جدي وعاشق جديد يشبه غسان كنفانى في نضاله وغرامه، لكن في نفس اللحظة هاجمني صوت بداخلي يقاوم هذا التصور الخطأ قائلًا:" في الوطن العربي الكبير كان هناك غسان كنفاني واحد، وسيبقي غسان كنفانى واحد.. يبقي أسطورة -أصل وصورة- لا تتكرر.. فمنذ متى تكررت الأساطير؟ هززت رأسي.. وأدرت وجهى إلى الشارع الذي أسكن فيه وإلى البيت عدت.. (أدق) على بابه.. فمن (دق) وصل.