في غضون أسبوع من استضافة الرئيس الصيني شي جين بينج للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في زيارة دولة، استقبل شي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بطريقة مماثلة، ربما مع بعض الاختلافات الطفيفة ولكن الملحوظة، لكن الكرملين قال إنه من المهم النظر إلى مضمون الزيارتين بدلًا من الجوانب الاحتفالية، مضيفًا أن "ليس كل شيء ظاهرًا للعيان".
ويتبادل بوتين وشي الزيارات بشكل متكرر منذ أول زيارة للزعيم الصيني إلى روسيا بعد أيام من توليه الرئاسة عام 2013. كما التقيا شخصيًا أكثر من 40 مرة منذ عام 2013، بما في ذلك 15 اجتماعًا في دول أخرى، غالبًا على هامش المنتديات الدولية. أيضًا، أجريا ما لا يقل عن 18 مكالمة هاتفية وخمسة مؤتمرات عبر الفيديو خلال الفترة نفسها.
مع ذلك، لم يزر دونالد ترامب الصين سوى مرتين خلال فترتي رئاسته. أما شي جين بينج فقد زار الولايات المتحدة خمس مرات خلال فترة رئاسته، بما في ذلك مرة واحدة خلال ولاية ترامب الأولى. في حين لم يزر الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن الصين خلال فترة رئاسته.
خطط مختلفة
وفق تحليل أجرته "رويترز" قارن بين زيارتي الرئيسين الأمريكي والروسي، تُعدّ مراسم الاستقبال والتوديع في المطارات مجرد إشارة واحدة من بين عدة إشارات في التنسيق الدبلوماسي الصيني، إلى جانب مأدبة الدولة. ويُعزى هذا الاختلاف ببساطة إلى أن المخاطر أكبر بالنسبة لترامب لأنه يزور بكين بوتيرة أقل بكثير من بوتين.
وفقًا للبروتوكول الدبلوماسي المعتاد، استُقبل بوتين في المطار من قبل وزير الخارجية وانج يي، وهو عضو في المكتب السياسي وأحد كبار الدبلوماسيين الصينيين؛ نظرًا لمنصبه المزدوج كوزير للخارجية ومدير مكتب الشؤون الخارجية المركزي للحزب الشيوعي الذي يحكم البلاد.
في المقابل، استقبل ترامب نائب الرئيس الصيني هان تشنج، الذي يحتل مرتبة أعلى كزعيم دولة على المستوى الوطني، على الرغم من أنه ليس عضوًا في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي منذ عام 2022.
وقد تم استقبال الزعيمين بطريقة مماثلة، حيث تم استقبالهما بحرس شرف وإطلاق مدفعية في قاعة الشعب الكبرى. وتصافح بوتين وشي لمدة ثماني ثوانٍ تقريبًا. وعندما التقى شي بترامب الأسبوع الماضي، استمرت مصافحتهما لأكثر من عشر ثوانٍ، حيث انحنى ترامب ليمسح على ذراع شي، في لفتة بدت ودية.
كما تم اصطحاب بوتين سريعًا إلى اجتماع ليلي لتناول الشاي، نظرًا لتقليص زيارته إلى يوم واحد فقط. أما ترامب، فقد اصطُحب إلى حدائق تشونجنانهاي السرية في زيارة نادرة، حيث أشاد بأشجار عمرها ألف عام.
محادثات
غادر ترامب الصين، يوم الجمعة، دون تحقيق أي اختراقات كبيرة في ملف التجارة أو الحصول على مساعدة ملموسة من بكين لإنهاء الحرب مع إيران، على الرغم من يومين قضاهما في الإشادة بمضيفه. بل، لم يصدر أي بيان مشترك بين الصين والولايات المتحدة.
وفي وقت لاحق، أصدر الجانبان بيانات منفصلة حول الاتفاقيات المبرمة، والتي اقتصرت على بنود قليلة، منها بيع طائرات بوينج، ورفع القيود المفروضة على الصادرات الزراعية، وتخفيضات مستقبلية في الرسوم الجمركية.
في المقابل، بعد محادثات بوتين وشي، تم توقيع بيان مشترك من 9935 كلمة، تناول الأمن النووي وتايوان وحتى نمور آمور والباندا العملاقة وقرود الأنف الذهبية، إلى جانب إعلان مشترك أقصر.
كما تم توقيع 20 وثيقة أخرى تتراوح بين المعايير الصحية والأخبار الرسمية والطاقة النووية، على الرغم من عدم الإعلان عن أي اتفاقيات كبيرة.
واتسمت الوفود بتشكيلة مختلفة بشكل ملحوظ. فقد كان الوفد الأمريكي أقل تمثيلًا لكبار المسؤولين الحكوميين، حيث اقتصر حضوره على وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، ووزير الحرب بيت هيجسيث. وانصبّ التركيز على 18 من قادة الأعمال المنتشرين في قطاعات التكنولوجيا، والتمويل، والطيران، والسلع الاستهلاكية، والتصنيع.
من جانب روسيا، حضر الاجتماع خمسة من نواب رئيس الوزراء العشرة، إلى جانب ثمانية وزراء، مع التركيز على قطاعات النفط والطاقة والمصارف. كما عقد اجتماعين ثنائيين منفصلين، أحدهما محادثات محدودة مع عدد أقل من المسؤولين، والآخر مناقشات موسعة لاحقًا.
احتفالات وولائم
كان من أبرز ملامح زيارة بوتين زيارة معرض صور في الهواء الطلق استضافته وكالتا الأنباء الروسية "تاس" والصينية "شينخوا". وشهد المعرض، الذي حمل عنوان "الصداقة المتينة بين الدول العظمى والشراكة الإستراتيجية بين القوى العظمى"، اطلاع الزعيمين على صور مختارة من لقاءاتهما السابقة.
وتعززت هذه الصداقة أكثر من خلال عبارة بوتين المؤثرة لشي جين بينج: "يوم واحد من البُعد يُشبه ثلاثة فصول خريف".
بالنسبة لترامب، اصطحب شي جين بينج الرئيس الأمريكي لأول مرة إلى معبد السماء الشهير، وهو معلم ثقافي صيني عريق، حيث كان الأباطرة الصينيون يصلّون. ونقلت "رويترز" عن لارس أولريك ثوم، المؤرخ المقيم في بكين، أن هذا المكان "يمثل خلفية مثالية لإظهار عمق التاريخ الصيني وعراقته وتطوره".
وتضمنت أطباق مأدبة بوتين حساء الروبيان، ولحم البقر بصلصة الفول، وبط بكين، وهو طبق شهير من العاصمة الصينية، قُدِّم أيضًا لترامب خلال زيارته الرسمية الأسبوع الماضي.
وبُثّت مأدبة الدولة التي أُقيمت لترامب ووفده على التلفزيون، بينما لم تُبث مأدبة بوتين، لكن عزفت الفرقة الموسيقية العسكرية لجيش التحرير الشعبي مجموعة متنوعة من المقطوعات الصينية والروسية خلال حفل العشاء، وفقًا لوكالة الأنباء الروسية الرسمية "تاس". وشملت هذه المقطوعات لحنًا كلاسيكيًا من تقاليد "أوبرا بكين"، ورقصة البجع الصغير من باليه "بحيرة البجع" لتشايكوفسكي.