دخلت المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة معقدة، تفرض شروطًا حرجة على طرفي الصراع، إذ تسعى طهران لفرض سيطرتها على مضيق هرمز مع محددات واشنطن الصارمة التي تدير الأزمة تحت ضغوط أسعار النفط العالمية على استمرار الضغط العسكري، بهدف الحصول على تنازلات في ملف تخصيب اليورانيوم وحسم المعركة التي يراها الرئيس دونالد ترامب معركته الأهم خلال ولايته الثانية.
ويرى محللون، خلال حديثهم لـ"القاهرة الإخبارية"، أن المشهد الراهن بات محكومًا بـ"عناد متبادل" يعطل حسم المعركة عسكريًا، موضحين أن التجرؤ الإيراني جاء نتيجة لفشل واشنطن على مدى أكثر من 80 يومًا في تحقيق أهدافها، خصوصًا أن ترامب يحسب جيدًا تكلفة الرد الإيراني الذي قد يطول المصالح الأمريكية في المنطقة.
كما أشار الخبراء إلى مخاوف من لجوء طهران إلى توسيع رقعة الحصار البحري نحو مضيق باب المندب، الأمر الذي قد يؤثر على أسعار الطاقة التي متوقع امتدادها داخل أمريكا، ما يؤثر على الناخبين في انتخابات الكونجرس.
محاولة فرض أمر واقع
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد عز العرب، رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن نشر طهران خريطة مسارات العبور في مضيق هرمز يعد محاولة لفرض أمر واقع والتعامل مع المضيق كممر سيادي لها.
وفي حديثه لـ "القاهرة الإخبارية"، أوضح "عز العرب" أن هذا التجرؤ السياسي الإيراني جاء نتيجة فشل واشنطن على مدى أكثر من 80 يومًا في تحقيق أهدافها الثلاثة المتمثلة في إسقاط النظام، أو تعديل سلوكه، أو إجباره على الاستسلام لشروطها التفاوضية.
وأشار "عز العرب" إلى كواليس حرجة تحيط بصناعة القرار في البيت الأبيض، مُشيرًا إلى أن ترامب كان يعتزم توجيه ضربة عسكرية فجائية لإيران الثلاثاء الماضي، إلا أنه أرجأ القرار بناءً على مراجعات وضغوط من ثلاث دول خليجية، هي "السعودية والإمارات وقطر"، والتي طالبت بضرورة إعلاء مسار المفاوضات السياسية والدبلوماسية، لتجنب اندلاع حريق إقليمي.
وأضاف أن ترامب يتحسب كثيرًا لتكلفة الرد الإيراني الذي قد يطول أهدافًا حيوية ومصالح أمريكية بالمنطقة، فضلًا عن تلويح طهران بنقل المواجهة "خارج حدود الشرق الأوسط" عبر أذرعها وتحالفاتها في أمريكا اللاتينية، وأشار إلى أن إيران تتبع إستراتيجية "التدرج والتأني"، وتمتلك خبرة تمتد 44 عامًا في الالتفاف على العقوبات باستخدام "أساطيل الظل" والاستناد إلى الدعم الصيني الخفي.
نظرية شمشون
وحذَّر من أن طهران لم تستخدم بعد جميع أوراقها وفق "نظرية شمشون" لهدم المعبد، إذ يمكنها توسيع الأزمة لتشمل مضيق باب المندب عبر الحوثيين، ما يهدد سلاسل الإمداد العالمية ويزيد الضغوط الاقتصادية على المواطن الأمريكي، وهو ما يهدد شعبية الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقبلة.
وفي ما يخص كواليس المفاوضات الجارية عبر الوسيط الباكستاني، ذكر "عز العرب" أن الخلاف الجوهري يدور حول المدى الزمني لتعليق تخصيب اليورانيوم، إذ تشترط واشنطن تعليقه لمدة 20 عامًا بينما تطلب طهران 5 سنوات فقط، متوقعًا التوصل إلى حل وسط يتراوح بين 10 إلى 15 عامًا كبادرة لحفظ ماء الوجه لترامب، تزامنًا مع أطروحات أمريكية للإفراج عن دفعة أولى من الأموال المجمدة تقارب 20 مليار دولار.
ولفت إلى أن المشهد الراهن يقع في "مساحة رمادية" معقدة، فلا القوة العسكرية قادرة على الحسم، ولا الأطراف لديها الرغبة الكاملة في تقديم التنازلات، ما يجعل الحرب الحالية بلا منتصرين وتكبد الاقتصاد العالمي خسائر فادحة.
انقسام أمريكي إسرائيلي
من جهته، أكد الدكتور إحسان الخطيب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة موري ستيت، أن الرئيس الأمريكي يعتبر مواجهته الحالية مع طهران بمثابة "إرثه السياسي" الرئيسي لفترته الرئاسية الثانية، مشددًا على أنه مستعد تمامًا للتضحية بجزء من شعبية الاقتصاد الأمريكي في سبيل حسم هذا الملف بشكل نهائي، ولن يقبل بالخروج منه مهزومًا.
وأضاف "الخطيب"، في حديثه لـ"القاهرة الإخبارية"، اليوم الخميس، أن ترامب لم يكن يرغب في خوض هذه الحرب منذ اليوم الأول، وكان يأمل تحويل إيران إلى "دولة طبيعية" عبر المسار الدبلوماسي، إلا أن التعنت الإيراني والمطالبة بطرد القوات الأمريكية من المنطقة دفع بالأوضاع نحو المواجهة المسلحة.
وكشف أستاذ العلوم السياسية عن وجود تباين في الرؤى بين واشنطن وتل أبيب، إذ يفضل ترامب الذهاب نحو اتفاق دبلوماسي شامل ينهي الحرب، في حين تفضل الحكومة الإسرائيلية استمرار وتوسيع العمليات العسكرية.
وأوضح أن المقاربة الإسرائيلية والأمريكية الحالية تلتقي عند ضرورة "عدم تخفيف الضغط العسكري" على جبهتي طهران ولبنان؛ لضمان إجبار إيران وحزب الله على تقديم تنازلات حقيقية ونزع السلاح، ومنع طهران من ممارسة تكتيك تضييع الوقت الذي اتبعته طوال سنوات إدارة بايدن السابقة.
رهانات طهران
ووصف "الخطيب" مراهنة إيران على عامل الوقت وانتخابات التجديد النصفي للكونجرس بأنها "رهانات خاسرة"، مؤكدًا أن ترامب لا يزال أمامه أكثر من 900 يوم في السلطة، ويتمتع بقبضة حديدية وصلاحيات مطلقة في السياسة الخارجية وقوانين الحرب تمكنه من تحدي أي ضغوط داخلية حتى لو فقد الحزب الجمهوري الأغلبية في الكونجرس، ودلل على قوة ترامب داخل حزبه بسقوط كل خصومه الجمهوريين في الانتخابات التمهيدية مؤخرًا، ولا سيما في ولاية كنتاكي.
وذكر أن هناك "كوابح وضوابط" تحكم حركة ترامب العسكرية، وهي إدارته للحرب وعينه على معيارين: أسعار النفط العالمية، وحجم الخسائر البشرية في صفوف الجيش الأمريكي.
وأشار إلى أن ترامب يتحسب جيدًا لعدم سقوط جنود أمريكيين، مثلما يحرص على عدم قفز أسعار النفط لمستويات جنونية تضر بالاقتصاد، كاشفًا أن هذا الحرص هو ما دفع إدارة ترامب في مرحلة ما قبل الحصار للسماح لإيران بتهريب نحو مليوني برميل نفط يوميًا للحفاظ على توازن الأسواق العالمية.