في سباق متسارع مع تحديات الغذاء والمياه والزيادة السكانية، تمضي الدولة المصرية بخطوات ثابتة نحو بناء واحدة من أكبر التجارب التنموية والزراعية في المنطقة، عبر مشروع "الدلتا الجديدة" الذي تحول من حلم طموح إلى واقع يتشكل على أرض الصحراء الغربية.
يعد المشروع أحد أعمدة الجمهورية الجديدة، ولا يقتصر فقط على استصلاح الأراضي وزراعة المحاصيل، بل يمثل رؤية متكاملة لإقامة مجتمعات إنتاجية حديثة وتحقيق الأمن الغذائي وتعظيم القيمة الاقتصادية في وقت يشهد فيه العالم أزمات متلاحقة في الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد.
ففي قلب الصحراء الغربية شمال غربي العاصمة المصرية القاهرة، تُعيد الدولة رسم خريطة التنمية عبر مشروع الدلتا الجديدة، الذي يستهدف المشروع تحويل رمال صحراء تبلغ نحو 2.2 مليون فدان إلى مسطحات خضراء؛ لتأمين غذاء المصريين وتوطين ملايين الأسر وتوفير ملايين فرص العمل، وإنشاء الصناعات التحويلية للمنتجات الزراعية؛ لتحقيق قيمة مضافة للناتج القومي.
يقع المشروع على امتداد طريق محور روض الفرج - الضبعة الجديد، وهو الطريق الذي أُنشئ ضمن المشروع القومي للطرق بطول 120 كيلو مترًا وعمق 60-70 كيلو مترًا، ويبعد 30 دقيقة عن مدينة السادس من أكتوبر، حيث تم تقسيم المشروع إلى 60 طريقًا طوليًا و35 طريقًا عرضيًا، مقسمة إلى قطع متساوية كل قطعة 1000 فدان.
كما يتضمن مشروع الدلتا الجديدة إنشاء نهر صناعي بطول 150 كيلومترًا و19 محطة رفع، بالإضافة إلى محطة معالجة ضخمة دخلت موسوعة جينيس بعد تحقيقها عدة أرقام قياسية في الإنجاز الذي يتحقق على الأرض.
نجح المشروع في توفير آلاف فرص العمل المباشرة، إلى جانب مئات الآلاف من فرص العمل غير المباشرة في قطاعات الزراعة والنقل والتخزين والخدمات اللوجيستية والتصنيع الغذائي.
وتبنت الدولة برامج لتأهيل الشباب والاستفادة من الكفاءات العلمية للمشاركة في المشروعات القومية، تأكيدًا على أن بناء الجمهورية الجديدة يعتمد على الإنسان بقدر اعتماده على التكنولوجيا والمعدات الحديثة.
يأتي هذا المشروع ضمن إستراتيجية الدولة للموارد المائية حتى عام 2050 والخطة القومية للمياه، ويهدف إلى تحقيق الأمن الغذائي، والتعامل مع التغيرات المناخية، وتقليل الفاقد من المياه، والحفاظ على البيئة، إلى جانب إنشاء مجتمعات زراعية وصناعية جديدة تستوعب الزيادة السكانية.
المشروع يقع على امتداد محور "روض الفرج – الضبعة"، وفى منطقة لم تكن قبل سنوات سوى أراضٍ صحراوية قاحلة، تتشكل الآن المنطقة لتعيد رسم الخريطة الزراعية المصرية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاكتفاء الذاتى وتصدير الفائض للأسواق العالمية، ويعتمد على فلسفة تنموية شاملة تبدأ من استصلاح التربة، وتمر بالتصنيع الزراعى والتخزين والتصدير، وصولًا إلى خلق مجتمعات عمرانية وفرص عمل وتنمية اقتصادية مستدامة.
اتجهت الدولة في تنفيذ المشروع إلى إنشاء منظومة متكاملة للتصنيع الزراعي، عبر مناطق صناعية ضخمة تضم مصانع للأعلاف والخضراوات المجمدة والبصل والثوم المجفف والزيوت والسكر والنشا، إلى جانب محطات فرز وتعبئة وثلاجات عملاقة وصوامع لتخزين الغلال.
وتسعى هذه المنظومة إلى تحويل المحاصيل الخام إلى منتجات قابلة للتسويق والتصدير، بما يحقق أعلى قيمة مضافة للاقتصاد المصري ويقلل الفاقد ويفتح أبوابًا جديدة للعملة الصعبة.
وفي هذا الإطار برز مشروع الصوامع العملاقة باعتباره أحد أهم مكونات الأمن الغذائي المصري، بعدما بدأ جهاز "مستقبل مصر" تنفيذ مراحل متقدمة من إنشاء صوامع حديثة بطاقة تخزينية ضخمة، تستهدف حماية المخزون الإستراتيجي من الحبوب وتقليل نسب الفاقد والتلف، بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية المتخصصة.
كما يهدف المشروع إلى التنمية الاجتماعية وخلق فرص العمل، إذ وفر المشروع بالفعل آلاف الوظائف المباشرة، إلى جانب مئات الآلاف من فرص العمل غير المباشرة، في مجالات الزراعة والنقل والتخزين والتصنيع والخدمات اللوجيستية، وتم تبنى مبادرات لتأهيل الشباب والاستفادة من الكفاءات العلمية، عبر استقطاب أوائل خريجي الجامعات المصرية وتدريبهم للمشاركة في المشروعات القومية، في رسالة واضحة بأن بناء الجمهورية الجديدة لا يعتمد فقط على المعدات والآلات، بل على العقول أيضًا.
يمثل المشروع يمثل تحولًا إستراتيجيًا في فلسفة التنمية داخل الدولة المصرية، لأنه لا يقتصر على زيادة الرقعة الزراعية، وإنما يؤسس لاقتصاد إنتاجي متكامل، يربط بين الزراعة والصناعة والتجارة والتصدير، ويعزز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات العالمية المتعلقة بالغذاء وسلاسل الإمداد، ومع التغيرات الدولية الحادة، وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، أصبحت مثل هذه المشروعات ضرورة وجودية وليست مجرد رفاهية تنموية.