في نوفمبر 2017، زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العاصمة الصينية بكين واضعًا ملف التجارة في صدارة أولوياته، بينما كانت العلاقات الأمريكية الصينية تدور أساسًا حول العجز التجاري والرسوم الجمركية واتفاقات الاستيراد والتصدير.
أما في 2026، فعاد ترامب إلى الصين وسط عالم مختلف تمامًا؛ عالم تُعيد فيه الحرب الإيرانية والتوترات في الشرق الأوسط رسم أولويات القوى الكبرى، وتدفع واشنطن وبكين إلى إعادة حساباتهما السياسية والاقتصادية.
وبحسب "سي إن إن" الأمريكية فإن الزيارة الأولى كانت قبل أن تبدأ الحرب التجارية التي شنّتها إدارة ترامب الأولى على بكين، وما تلاها من اضطرابات في سلاسل التوريد، وأعادت تشكيل العلاقات بين القوتين الاقتصاديتين الرائدتين في العالم.
وأيضًا لم تكن حدة خطاب ترامب خلال جائحة كوفيد-19 قد أدت بعد إلى تدهور العلاقات بين الدولتين بشكل حاد، ولم تكن حزمة القيود المفروضة على التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة وتمويل التكنولوجيا الموجه إلى الصين، إضافة إلى القيود المفروضة على التكنولوجيا الصينية في الولايات المتحدة، قد دخلت حيز التنفيذ بعد.
أرقام حول الزيارة
وقال البيت الأبيض إن الوفد الاقتصادي الأمريكي المرافق لترامب ضم 17 رئيسًا تنفيذيًا من أكبر الشركات الأمريكية، بإجمالي قيمة سوقية وصلت إلى نحو 16.47 تريليون دولار، وهو ما يعادل تقريبًا 82% من الناتج المحلي الإجمالي الصيني لعام 2025.
وهو ما يعادل ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين، إن قرروا الاستقلال كدولة، كما أن شركتي آبل ونيفيديا وحدهما قيمتهما السوقية تقارب 10 تريليونات دولار.
وبحسب "الجارديان" البريطانية فإن شركة نيفيديا تضغط لاستعادة فرص مبيعات في الصين تُقدّر بـ 50 مليار دولار بسبب قيود الرقائق الأمريكية، كما أن شركة ميتا تسعى هي الأخرى لحل أزمة صفقة ذكاء اصطناعي متعثرة بقيمة 2 مليار دولار.
اقتصاديًا، تشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الأمريكي في 2026 سيتجاوز 30 تريليون دولار مقابل نحو 20 تريليون دولار للصين.
2017.. التجارة أولًا
خلال زيارة ترامب الأولى للصين، ركّزت المحادثات على العجز التجاري الأمريكي، واتفاقات الطاقة، والصناعات الثقيلة، والصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة.
وفي ذلك الوقت، أعلنت واشنطن وبكين توقيع اتفاقات اقتصادية ضخمة قُدرت بنحو 250 مليار دولار، بحسب رويترز.
2026.. إيران في المشهد
لكن المشهد في 2026 يبدو أكثر تعقيدًا، فزيارة ترامب الحالية تأتي بعد أسابيع من التصعيد العسكري المرتبط بإيران، الذي أعاد المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والاستقرار الإقليمي.
وتحوّلت الصين خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لإيران، خصوصًا في قطاع النفط، إذ تُعد بكين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني رغم العقوبات الأمريكية.
كما لعبت الصين دورًا سياسيًا متزايدًا في الشرق الأوسط، خاصة بعد رعايتها الاتفاق السعودي الإيراني عام 2023، وهو ما منح بكين نفوذًا أكبر في ملفات المنطقة.
أعلن البيت الأبيض عن توصل الولايات المتحدة والصين إلى اتفاق استراتيجي يقضي بضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي بشكل نهائي، وذلك في أعقاب المباحثات الثنائية الرفيعة التي عُقدت بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينج في العاصمة الصينية بكين.
وشهدت الجلسة توافقًا حول ملف أمن الطاقة العالمي، حيث اتفق الجانبان على ضرورة بقاء مضيق هرمز مفتوحًا لضمان التدفق الحر لإمدادات الطاقة.
وأبدى الرئيس الصيني شي جين بينج معارضة بلاده الصريحة لأي محاولات تهدف إلى عسكرة المضيق أو فرض رسوم مالية مقابل المرور فيه، مشددًا على أهمية الملاحة الدولية في هذا الممر الحيوي.
حرب التكنولوجيا والطاقة
وفي الوقت الذي جاءت فيه زيارة 2017 تحت عنوان "حرب التجارة"، تبدو زيارة 2026 أقرب إلى مزيج من حرب التكنولوجيا وصراع النفوذ الجيوسياسي وأزمة الطاقة المرتبطة بإيران والشرق الأوسط
فالتوترات مع إيران رفعت أهمية ملفات أمن إمدادات النفط، والمعادن النادرة، وسلاسل التوريد العالمية، وأشباه الموصلات، وتأمين طرق التجارة البحرية، وهو ما يفسر اصطحاب ترامب لوفد ضخم من رؤساء شركات التكنولوجيا والطيران والطاقة الأمريكية، من بينها آبل وتسلا ونيفيديا وبوينج، بحسب رويترز.
هيمنة الذكاء الاصطناعي
هيمنت ملفات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات على أجندة القمة، خصوصًا مع مشاركة نيفيديا التي تسعى لاستعادة موطئ قدمها داخل السوق الصينية بعد القيود الأمريكية على تصدير الرقائق المتقدمة.
وكشفت تقارير أن الإدارة الأمريكية وافقت أخيرًا على بيع رقائق H200 المتطورة لعدد من الشركات الصينية، في خطوة اعتبرها مراقبون إشارة إلى محاولة تخفيف التوتر التكنولوجي بين البلدين.
وقال الرئيس الصيني شي جين بينج خلال لقائه ترامب إن "الولايات المتحدة والصين يجب أن تكونا شريكتين لا خصمين"، محذرًا في الوقت نفسه من خطورة ملف تايوان على استقرار العلاقات الثنائية.