في لحظة دولية شديدة التعقيد، لا تبدو زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين مجرد محطة دبلوماسية عابرة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، بقدر ما تبدو أقرب إلى مباراة شطرنج كبرى تُدار فوق رقعة ممتدة من مضيق تايوان إلى مضيق هرمز. فكل تحرك محسوب، وكل رسالة تحمل أكثر من معنى، بينما تتعامل بكين مع ملف تايوان باعتباره "الملك" الذي لا يُسمح بالاقتراب منه، في وقت تسعى فيه واشنطن لتجنب فتح جبهة استنزاف جديدة قد تُربك حساباتها العالمية.
وفي ظل تصاعد المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية بين القطبين، يرى خبراء ومحللون أن العالم بات أمام "حرب باردة" بنكهة القرن الحادي والعشرين، تُحركها الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وصفقات النفوذ، لا الدبابات والصواريخ فقط، وسط مخاوف من أن أي خطوة غير محسوبة على رقعة الشطرنج الدولية قد تدفع العالم نحو مواجهة مفتوحة لا يريدها أحد، وكيف أصبحت "سياسة الصين الواحدة" المفتاح الوحيد لإغلاق أبواب الفوضى في الشرق الأوسط.
الاعتراف بالصين الواحد
أكد الدكتور سكوت لوكاس، أستاذ العلوم السياسية، أن العالم يمر بمرحلة هي الأكثر حساسية في التاريخ السياسي منذ عام 1945، مشيرًا إلى أن الصين تفرض واقعًا جديدًا كقوة عظمى لا يمكن تجاهلها، وتسعى لصياغة نظام عالمي متعدد الأقطاب يخترق مناطق النفوذ التقليدية في الشرق الأوسط وأوروبا.
وفي حديثه لـ"القاهرة الإخبارية"، اليوم الخميس، كشف "لوكاس"، عن ملامح العرض الصيني المقدم للإدارة الأمريكية، الذي يقضي بالتعاون في احتواء الفوضى بملف إيران والشرق الأوسط، مقابل منح بكين مساحة للتحرك في ملف تايوان والاعتراف بسياسة "الصين الواحدة"، مؤكدًا أن بكين تفضل الضم السياسي والاقتصادي لتايوان على المواجهة العسكرية.
وانتقد أستاذ العلوم السياسية نهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واصفًا إياه بالشخصية "غير المتوقعة" التي تفتقر للرؤية الاستراتيجية وتولي أهمية للمظاهر السياسية على حساب التحالفات العميقة.
وأوضح أن هذا النهج أدى إلى تآكل الثقة بين أوروبا وواشنطن، حيث لم تعد العواصم الأوروبية ترى في الولايات المتحدة شريكًا موثوقًا لأمنها، وذكر أن التحول الدراماتيكي في السياسة الخارجية الأمريكية دفع أوروبا للبحث عن تحالفات جديدة مع قوى مثل كندا وأستراليا واليابان، في ظل إيمان الصين بتعددية الأقطاب مقابل سياسة "الانعزالية" أو "الأنا" التي يتبناها معسكر ترامب.
تايوان أمن قومي
ويرى الدكتور شاهر الشاهر، أستاذ الدراسات الدولية في جامعة "صن يات سين" ببكين، أن العلاقة بين الصين والولايات المتحدة وصلت لمرحلة من التشابك العضوي الذي يجعل من الصعب فك الارتباط بين القطبين، واصفًا محاولات محاصرة التنين الصيني اقتصاديًا بأنها بمثابة "إطلاق نار على القدمين"؛ نظرًا لحجم التداخل في سندات الخزينة وسوق الاستثمارات.
وأوضح "الشاهر"، لـ"القاهرة الإخبارية" أن الجانب الصيني يتعامل بهدوء استراتيجي ويسعى لتراكم النقاط، في حين يبحث الرئيس الأمريكي عن انتصارات سياسية سريعة.
وشدد على أن قضية تايوان تظل "غير قابلة للمساومة" لدى بكين، حيث تعتبرها قضية أمن قومي والتزامًا مطلقًا من الحزب الشيوعي، مُشيرًا إلى أن عام 2027 سيكون عامًا حاسمًا في قدرة الصين على الدفاع عن "حدودها الشفافة" ومصالحها الخارجية.
وفيما يخص أزمة الطاقة ومضيق هرمز، كشف أستاذ الدراسات الدولية أن الصين أعدت عدتها جيدًا بمخزونات استراتيجية ضخمة، وأن بواخرها مستمرة في العبور دون عوائق بفضل سياسة "الشراكة مع الجميع" التي تتبعها بكين، مؤكدًا أن الصين تقدم نفسها كقوة "أكبر من أن تكون مع أو ضد"، بل كشريك يسعى لاستقرار الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن المنافسة الراهنة هي "حرب باردة" بصبغة اقتصادية وتكنولوجية "رقائق وذكاء اصطناعي"، وأن بكين تراهن على دخول استثماراتها للسوق الأمريكية في صفقة قد تصل قيمتها إلى تريليون دولار، مما يعزز فكرة أن "الكبار لا يتحاربون مباشرة" بل يتنافسون عبر أدوات الاقتصاد.
مصلحة سيادية
وفي السياق ذاته، أكد جانج شين، الباحث بمعهد تشنجو للعلاقات الدولية، أن قضية تايوان تمثل مصلحة سيادية عليا للصين ولا يمكن إخضاعها لأي مساومات، واصفًا إياها بأنها "حجر الزاوية" في العلاقات بين بكين وواشنطن منذ عقود.
وأوضح شين، في تصريحات لـ"القاهرة الإخبارية"، أن الرسائل الصينية الصارمة تهدف إلى تذكير الإدارة الأمريكية بضرورة الالتزام بمبدأ "الصين الواحدة"، محذرًا من محاولات بعض القادة المتشددين في تايوان لجر الولايات المتحدة إلى صدام عسكري مفتوح في المنطقة.
وأشار الباحث الصيني إلى أن بكين لا تمانع وجود منافسة مع الولايات المتحدة، شريطة أن تظل هذه المنافسة "محسوبة وتحت السيطرة"، لتجنب أي نزاع قد يعصف بالاستقرار العالمي، وقال: "نأمل أن يدرك الرئيس ترامب أن استقرار العلاقات يعتمد بشكل كلي على التعامل الحذر مع ملف تايوان".
وفي تشبيه للموقف، ذكر شين أن تايوان تمثل للصينيين رمزًا وطنيًا يتساوى في مكانته مع مكانة القدس لدى الشعوب العربية، مشددًا على أن بكين لن تسمح بأي تحرك يدعم استقلال الجزيرة، وحذر من أن تقع واشنطن في "فخ" حلفائها في المنطقة، مما قد يؤدي إلى اشتعال مواجهة عسكرية غير مرغوب فيها.