يراهن قادة الصين على استراتيجية طويلة الأمد تقوم على الانتظار واستثمار التحولات الدولية، في ظل تصاعد الانقسامات السياسية داخل الولايات المتحدة، وتراجع التوافق بين واشنطن وحلفائها، إضافة إلى انخراط الإدارة الأمريكية مجددًا في الحرب مع إيران، بينما تتجنب بكين حتى الآن الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو الظهور بموقع الطرف الساعي لاستغلال الأزمات الدولية بصورة علنية.
وأوضح مقال نشرته مجلة "ذا أتلانتيك" الأمريكية أن الصين تفضل اتباع سياسة "الصبر الاستراتيجي"، إذ اكتفت بتقديم دعم غير مباشر لإيران رغم الشراكة الوثيقة بين البلدين، في الوقت الذي التزمت فيه خطابًا دبلوماسيًا حذرًا يدعو إلى خفض التصعيد، مع سعي بكين إلى وضع نفسها في موقع يسمح لها بملء أي فراغ دولي محتمل إذا تراجعت مكانة الولايات المتحدة عالميًا، بحسب مجلة "ذا أتلانتيك" الأمريكية.
رؤية صينية
وقال ريان هاس، مدير مركز الصين ورئيس كرسي كو لدراسات تايوان في معهد بروكينجز، في مقاله بالمجلة الأمريكية، إن فكرة تراجع الولايات المتحدة ليست جديدة داخل الأوساط الفكرية الصينية، إذ بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي تظهر كتابات تعتبر أن واشنطن تحمل عوامل ضعف داخلية قد تؤدي إلى تراجع نفوذها الدولي.
في الوقت نفسه برز اسم المفكر الصيني وانج هونينج، الذي يشغل حاليًا موقعًا بارزًا داخل اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني، بعدما طرح في كتابه "أمريكا ضد أمريكا" رؤية تحدثت عن الانقسامات الاجتماعية وعدم المساواة والشلل السياسي داخل الولايات المتحدة باعتبارها مؤشرات على تآكل القوة الأمريكية.
صبر استراتيجي
وترى بكين أن التنافس مع الولايات المتحدة لا يتطلب بالضرورة مواجهة عسكرية مباشرة، بل يعتمد على استنزاف الخصم لنفسه سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، إذ يعتقد قادة الصين أن واشنطن تستهلك قدراتها في صراعات خارجية متتالية، بينما تركّز بكين على بناء نفوذ اقتصادي وتكنولوجي طويل المدى.
في الأثناء تسعى الصين إلى تقليل اعتمادها على الأسواق والتقنيات الغربية، مقابل زيادة اعتماد العالم على المنتجات والتكنولوجيا الصينية، إضافة إلى ذلك اعتبر الحزب الشيوعي الصيني أن "الاعتماد على الذات" يمثل أحد المرتكزات الرئيسية في خططه الاقتصادية الحالية.
توسع اقتصادي
وعززت الصين خلال السنوات الأخيرة استثماراتها في قطاعات التكنولوجيا والصناعة والطاقة النظيفة، إذ توسعت الشركات الصينية في مجالات السيارات الكهربائية والبنية التحتية للاتصالات والذكاء الاصطناعي، بينما دعّمت الحكومة تطوير بدائل محلية للتقنيات الأجنبية مثل أشباه الموصلات والطائرات والبرمجيات، في الوقت نفسه لم تعد أهداف بكين تقتصر على زيادة الحصة السوقية العالمية، بل امتدت إلى تقليل تأثير العقوبات والقيود الغربية على الاقتصاد الصيني.
نفوذ عالمي
وسعت بكين إلى إعادة تشكيل النظام الدولي بصورة تدريجية بدلًا من الدخول في صدام مباشر مع المؤسسات التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، إذ تعمل الصين على توسيع نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي عالميًا من خلال مشاريع البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة، بينما يرى قادتها أن الأزمات الداخلية الأمريكية تمنحهم فرصة لتعزيز موقع الصين في النظام العالمي المقبل، في الوقت نفسه يعتقد مسؤولون ومحللون صينيون أن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الولايات المتحدة على معالجة انقساماتها الداخلية وتحديد دورها المستقبلي على الساحة الدولية.