لا تحتاج "فتية التلال" إلى هيكل تنظيمي معقد أو قيادة مركزية، يكفي منشور واحد على "واتساب" ليتدفق مئات المستوطنين نحو قرى فلسطينية، مُخلّفين خلفهم دمارًا وخوفًا، هذا ما كشفته القناة 12 الإسرائيلية في تقرير استقصائي لافت، كاشفةً عن كتيب سري يُخبئه قائد شرطة الضفة الغربية (المحتلة) في خزنة مكتبه، يحمل أسماء وصور سبعين شخصية تتزعم ما بات يُعرف رسميًا بـ"الإرهاب اليهودي".
سبعون ملفًا في الخزنة
رصدت القناة 12 الإسرائيلية أن موشيه فينتسي، قائد لواء الضفة الغربية في شرطة الاحتلال، يحتفظ داخل خزنة مكتبه بكتيب سري يضم نحو سبعين صورة وملفًا لشخصيات تقود موجة العنف اليهودي المتصاعدة في الضفة، ينتمي معظم هؤلاء إلى ما يُعرف بمجموعات "فتية التلال"، المسؤولة عن اعتداءات "جباية الثمن" ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم ومقدساتهم.
والمفارقة اللافتة أن "فينتسي" نفسه معيّن من قِبل وزير الأمن القومي إيتمار بن جفير، الداعم الصريح للتوسع الاستيطاني، ومع ذلك يصفه التقرير بأنه "يحاول احتواء تصاعد الاعتداءات"، في دلالة على حجم التناقضات التي تعتري المنظومة الأمنية الإسرائيلية ذاتها.
واتساب سلاح التعبئة
ما يمنح هذه المجموعات خطورتها الحقيقية، وفق ما أوردته القناة 12، ليس تسليحها بل سرعة تحركها، إذ يكفي منشور قصير أو رسالة مجموعة عبر "واتساب" لحشد مئات الشبان والمستوطنين من البؤر والمزارع الاستيطانية المنتشرة في أرجاء الضفة، بل ومن مدن إسرائيلية بعيدة، وذلك في وقت قياسي.
ويرتبط هذا الواقع ارتباطًا عضويًا بحجم الانتشار الاستيطاني الذي شهدت الضفة الغربية (المحتلة) تضخمه خلال سنوات حكومة بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش، حيث باتت مئات المستوطنات والبؤر والمزارع تُشكل شبكة إمداد بشري جاهزة للتعبئة الفورية، ما يجعل أي محاولة للسيطرة الأمنية أشبه بمعركة مع الريح.
الجيش يشاهد والبؤر تُعاد
لا تقف الأزمة عند حدود قدرة هذه المجموعات على التعبئة، بل تمتد إلى طريقة تعامل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية معها، إذ رصدت القناة 12 أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يقف في أحيان كثيرة متفرجًا على الاعتداءات التي ينفّذها المستوطنون، فيما تُعاد إقامة البؤر الاستيطانية المُخلاة بسرعة لافتة في غياب أي إرادة حقيقية لتطبيق القانون.
وتتجلى هذه الازدواجية بصورة أكثر فجاجة في التفريق الميداني بين المتظاهرين، إذ إن جنود يُطلقون النار على فلسطينيين يرشقون الحجارة، بينما يُحجمون عن التعامل بالمثل مع مستوطنين ينفذون اعتداءات عنيفة مشابهة، ما يُرسّخ لدى الجماعات المتطرفة شعورًا بالحصانة والإفلات من العقاب.
تحذير من انتفاضة ثالثة
لم تكن التحذيرات العسكرية غائبة عن هذا المشهد، إذ نقلت القناة 12 عن اللواء آفي بلوط، قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، تحذيرات صريحة من أن استمرار هذا النهج قد يُشعل فتيل "انتفاضة ثالثة" في الضفة الغربية (المحتلة).
في المقابل، تواصل الحكومة الإسرائيلية ومجالس المستوطنين رهانها على أن التوسع الاستيطاني المتواصل وضخ الأموال في الضفة سيُجهض أي مسعى لإقامة دولة فلسطينية، غير أن التقرير يُلمح إلى أن هذه المعادلة قد لا تصمد طويلًا أمام الضغوط الدولية المتصاعدة، ولا سيما الأمريكية، التي قد تُفرز ترتيبات جديدة تُعيد رسم ملامح الوضع في الضفة.
وختمت القناة 12 بالتأكيد أن تصاعد اعتداءات المستوطنين بات يُشكّل "عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا متزايدًا على إسرائيل"، في إشارة إلى أن هذا الملف تجاوز حدود الأزمة الأمنية الداخلية، ليتحول إلى قنبلة موقوتة ذات أبعاد دولية.