الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

القاهرة وباريس.. كيف تحوّل التقارب المصري الفرنسي إلى شراكة لإدارة أزمات الشرق الأوسط؟

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية بالذكاء الاصطناعي

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

وسط شرق أوسط يُعاد تشكيله بالحروب والطاقة والهجرة، تبدو القاهرة وباريس وكأنهما تتحركان نحو شراكة تتجاوز الحسابات الثنائية التقليدية، في محاولة لبناء توازن داخل إقليم تتسع فيه مساحات الفوضى، وتتراجع فيه اليقينيات القديمة.

فمن غزة إلى ليبيا وشرق المتوسط، تتقاطع حسابات البلدين بصورة لافتة، مدفوعة بمزيج من المصالح الإستراتيجية والقلق المشترك من اتساع دوائر التوتر وعدم الاستقرار. وخلال السنوات الأخيرة، لم تعد العلاقات المصرية الفرنسية تقتصر على التعاون الاقتصادي أو صفقات التسليح، بل تطورت تدريجيًا إلى تنسيق سياسي متزايد حول عدد من أكثر ملفات المنطقة حساسية.

وفي وقت يشهد فيه الشرق الأوسط حالة غير مسبوقة من إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات، تُوِّج هذا التقارب بإعلان "الشراكة الإستراتيجية" خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القاهرة في أبريل 2025، حيث وقّع البلدان سلسلة اتفاقيات اقتصادية وتنموية وأمنية جديدة، في خطوة عكست رغبة متبادلة في توسيع نطاق التعاون بينهما وسط بيئة إقليمية مضطربة.

لكن خلف مشهد القمم والاتفاقيات، تبدو هناك معادلة أكثر تعقيدًا تحكم هذا التقارب؛ إذ إن فرنسا -التي تسعى للحفاظ على نفوذها في المتوسط والشرق الأوسط وسط تراجع أوروبي واضح- تنظر إلى مصر باعتبارها أحد أهم مرتكزات التوازن الإقليمي، فيما ترى القاهرة في باريس شريكًا سياسيًا مؤثرًا داخل أوروبا، يمكنه دعم رؤيتها تجاه أزمات المنطقة، من غزة إلى ليبيا وأمن المتوسط.

الرئيسان المصري والفرنسي خلال زيارة ماكرون الأخيرة للقاهرة
تحولات كبرى

يرى مراقبون أن تسارع التقارب المصري الفرنسي يرتبط بتحولات أوسع تشهدها المنطقة، من الحرب في غزة وتراجع الاستقرار في البحر الأحمر، إلى القلق الأوروبي المتزايد بشأن الطاقة والهجرة، إضافة إلى سعي باريس لإعادة تموضعها في المتوسط بعد تراجع نفوذها في إفريقيا والساحل.

وتلفت الكاتبة والمحللة السياسية الدكتورة جيهان جادو إلى أن العلاقات المصرية الفرنسية شهدت خلال السنوات الأخيرة "تطورًا كبيرًا وملحوظًا"، خاصة على المستويين السياسي والثقافي، مشيرة إلى أن حالة التناغم بين الرئيسين المصري والفرنسي أسهمت في تعزيز التقارب بين البلدين.

وأكدت، في حديثها لموقع "القاهرة الإخبارية"، أن مصر وفرنسا "نجحتا في بناء نموذج من الشراكة المتوازنة القائمة على احترام المصالح المشتركة، لما لكل منهما من ثقل كبير في ظل التحديات الدولية والإقليمية المتسارعة".

وتضيف أن هذه الشراكة لم تعد تقتصر على الجانب السياسي فقط، بل امتدت إلى مجالات الأمن والدفاع والطاقة والتعليم والثقافة، "وهو ما يعكس عمق الثقة المتبادلة بين الجانبين".

كما تشير إلى أن فرنسا تنظر إلى مصر باعتبارها "ركيزة أساسية" لتحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، نظرًا إلى دورها المحوري وثقلها السياسي والتاريخي.

غزة.. تقاطع الرؤى وحدود الاختلاف

برز التقارب المصري الفرنسي بصورة أوضح منذ اندلاع الحرب في غزة، إذ تبنّى الجانبان خطابًا متقاربًا تجاه رفض التهجير القسري للفلسطينيين، والتحذير من اتساع الحرب إقليميًا، والدفع نحو وقف إطلاق النار وإحياء مسار حل الدولتين.

وخلال زيارة ماكرون إلى مدينة العريش المصرية، حملت الرسائل الفرنسية دلالات سياسية لافتة، خاصة مع تحذيره من استخدام المساعدات الإنسانية سلاحًا، في وقت كانت فيه القاهرة تؤكد رفضها القاطع لأي محاولة لتصفية القضية الفلسطينية عبر التهجير.

لكن التقارب هنا لا يرتبط فقط بالموقف الإنساني، بل أيضًا بحسابات الأمن والاستقرار؛ فمصر تتعامل مع غزة باعتبارها قضية أمن قومي مباشرة، وتتحرك وفق اعتبارات جغرافية وأمنية تمنحها هامشًا مختلفًا في التعامل مع الأزمة، بينما تخشى فرنسا من أن يؤدي استمرار الحرب إلى انفجار موجات جديدة من التطرف والهجرة وعدم الاستقرار في جنوب المتوسط.

وفي هذا السياق، ترى "جادو" أن هناك "تقاربًا واضحًا في وجهات النظر بين القاهرة وباريس بشأن مكافحة الإرهاب والحفاظ على وحدة الدول الوطنية، ودعم الحلول السياسية للأزمات الإقليمية بعيدًا عن الفوضى والتدخلات الخارجية".

وتضيف أن كلا البلدين "يدرك خطورة التوترات التي تشهدها المنطقة، سواء في غزة أو ليبيا أو البحر الأحمر، وهو ما يدفعهما إلى تنسيق المواقف بصورة أكبر للحفاظ على الأمن الإقليمي".

المحللة السياسية الدكتورة جيهان جادو
ليبيا وشرق المتوسط

ويمتد التقاطع المصري الفرنسي إلى ملفات أخرى لا تقل أهمية، على رأسها ليبيا وشرق المتوسط، إذ ينظر البلدان إلى استقرار المنطقة باعتباره جزءًا من معادلة الأمن الأوروبي والإقليمي معًا.

ففي ليبيا، تتقاطع رؤية القاهرة وباريس حول أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع تمدد الجماعات المسلحة والميليشيات، خاصة في ظل المخاوف من تحوّل الأراضي الليبية إلى منصة للفوضى والهجرة والإرهاب.

أما في شرق المتوسط، فقد باتت الطاقة عنصرًا أساسيًا في صياغة التقارب بين الجانبين، خصوصًا بعد تصاعد أهمية الغاز الطبيعي بالنسبة لأوروبا عقب الحرب الروسية الأوكرانية.

وهنا تنظر فرنسا إلى مصر باعتبارها مركزًا إقليميًا محوريًا للطاقة وقاعدة استقرار جنوب المتوسط، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل اعتمادها على الإمدادات الروسية.

كما شهدت الفترة الأخيرة تدريبات بحرية مشتركة ومشروعات اقتصادية واتفاقيات تعاون واسعة، في مؤشر على أن العلاقة تجاوزت البعد الدبلوماسي التقليدي نحو شراكة ذات أبعاد أمنية واستراتيجية أوسع.

الهجرة والطاقة وإعادة رسم النفوذ

بعيدًا عن العناوين السياسية التقليدية، تبدو هناك ملفات أقل ظهورًا إعلاميًا تدفع هذا التقارب بقوة، أبرزها ملف الهجرة غير الشرعية وأمن المتوسط والطاقة.

فبالنسبة لفرنسا، لا ترتبط أزمات الشرق الأوسط فقط بالحروب، بل أيضًا بإمكانية انتقال تداعياتها إلى الداخل الأوروبي عبر موجات اللجوء وعدم الاستقرار الأمني، ومن هنا تنظر باريس إلى القاهرة باعتبارها شريكًا أساسيًا في احتواء تداعيات الفوضى جنوب المتوسط.

وفي المقابل، تستفيد مصر من تعزيز شراكاتها الأوروبية في ظل التحديات الاقتصادية الإقليمية والدولية، وتسعى لتوسيع هامش تحركها السياسي عبر تنويع تحالفاتها الدولية.

وتؤكد جادو أن "المواقف الفرنسية الأخيرة تجاه أزمات المنطقة تعكس بالفعل رغبة في بناء شراكة أعمق مع مصر، خاصة في ظل إدراك باريس لأهمية الدور المصري في التهدئة واحتواء الأزمات".

وأضافت أن هذا الأمر "أصبح أكثر وضوحًا بعد الدور الكبير الذي قامت به مصر في التهدئة في الأراضي الفلسطينية، وكذلك في الملفات الأخرى المتعلقة بأمن الشرق الأوسط".

وتشير إلى أن فرنسا "أصبحت أكثر اقتناعًا بأن تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتم دون التنسيق مع القاهرة، التي تمتلك خبرة سياسية ودبلوماسية كبيرة في إدارة الملفات الإقليمية المعقدة".

الرئيسان السيسي وماكرون يتفقدان أحد المشروعات المشتركة بين مصر وفرنسا
شراكة المصالح والقلق المشترك

التقارب المصري الفرنسي يبدو مرشحًا للاستمرار في ظل تشابك المصالح بين البلدين، وفي عالم يعاد تشكيله بالحروب والطاقة والتحالفات المتحركة، تبدو القاهرة وباريس وكأنهما تحاولان بناء مساحة توازن مشتركة داخل شرق أوسط تتراجع فيه القناعات القديمة، وتتصاعد فيه الحاجة إلى شراكات قادرة على إدارة الأزمات أكثر من حلها بالكامل.

وبينما تسعى فرنسا إلى استعادة دور أكثر استقلالًا داخل النظام الدولي، تبدو مصر حريصة على ترسيخ موقعها كشريك إقليمي لا يمكن تجاوزه في معادلات المتوسط والشرق الأوسط، وهو ما يمنح العلاقة بين البلدين بعدًا يتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية نحو شراكة تحكمها الجغرافيا والمصالح والقلق المشترك من مستقبل إقليم مضطرب.

وتشير "جادو" إلى أن التحديات الاقتصادية العالمية والتوترات الجيوسياسية، واختلاف بعض الرؤى الأوروبية تجاه ملفات المنطقة، قد تفرض ضغوطًا على مسار التقارب المصري الفرنسي خلال المرحلة المقبلة، إلا أن قوة التواصل السياسي بين مصر وفرنسا قادرة على تجاوز هذه العقبات.

وتختتم بالقول إن "استمرار الحوار والتنسيق المباشر يمثلان الضمانة الأساسية للحفاظ على زخم الشراكة الإستراتيجية بين القاهرة وباريس خلال السنوات المقبلة".

وفي منطقة تتغير خرائطها بوتيرة متسارعة، يبدو أن القاهرة وباريس تراهنان على أن إدارة الفوضى أصبحت -في حد ذاتها- شكلًا جديدًا من أشكال الشراكة.