تُضفي نسمات نهر بارانا برودةً لطيفةً على أجواء روساريو بعد الظهر، وبينما يُجري الأطفال تمارين الإحماء، يزداد صوت أحذيتهم الصغيرة حتى يُشير الحكم إلى دخول اللاعبين أرض الملعب.
ويرتدون قميص أبانديرادو جراندولي البرتقالي المُخطط بالأبيض، نادي الحي الذي انطلقت منه رحلة ليونيل ميسي الكروية قبل 34 عامًا. ومن مبنى مجاور، تُطل جدارية لميسي الشاب على الأطفال وهم يركضون وراء الكرة.
ربما، بعد سنوات، سيُقارَن أحدهم بابن روساريو الأشهر، الذي يُعدّ من أفضل لاعبي كرة القدم على مر العصور.
ويقول جوليان سيلفيرا، البالغ من العمر 11 عامًا، والذي يُعجب بشكل خاص بركلات ميسي الحرة، في تصريحات لوكالة "أسوشيتد برس": "كنت أشاهده عندما كنت صغيرًا، وجعلني ذلك أرغب في اللعب مثله".
ولم يُكتب بعد الفصل الأخير من مسيرة ميسي الكروية المجيدة، ففي غضون أسابيع قليلة، من المتوقع أن يشارك قائد إنتر ميامي، البالغ من العمر 38 عامًا، في كأس العالم لكرة القدم 2026 للمرة السادسة مع منتخب الأرجنتين، رغم أنه لم يؤكد ذلك رسميًا.
وبدأت هذه القصة هنا، في حيّ من أحياء الطبقة المتوسطة الدنيا في روساريو، ثالث أكبر مدن الأرجنتين ومركزها الصناعي، ومسقط رأس الثوري إرنستو تشي جيفارا.
وفي عام 1992، اصطحبت سيليا، جدته لأمه، ليونيل ميسي، البالغ من العمر 5 سنوات، لمشاهدة ماتياس، شقيقه الأكبر، وهو يلعب لفريق جراندولي في إحدى دوريات الشباب في روساريو.
وأصبحت قصة وصول ميسي إلى أرض الملعب جزءًا من تاريخ النادي؛ إذ كان هناك لاعب غائب عن مباراة سباعية للأطفال في السادسة من عمرهم، فرأت سيليا فرصةً لحفيدها الصغير الموهوب، وجادلت المدرب سلفادور أباريسيو لإشراكه في المباراة.
وقال إزيكيل أساليس، زميل ميسي في فريق جراندولي خلال تلك السنوات الأولى، لوكالة "أسوشيتد برس": "لم يُرِد أباريسيو إشراكه لأنه كان صغيرًا جدًا على الفئة العمرية، لكن الجدة أصرّت، فأشركوه في الملعب، وقال الجميع: يا له من لاعب.. هكذا بدأت الحكاية".
ووفقًا للصحفي الإسباني جيليم بالاجي، مؤلف السيرة الذاتية الوحيدة المُرخّصة لميسي، اعتقد المدرب أن المباراة ستكون قاسية جدًا على الصبي الصغير، الذي كانت تظهر عليه بالفعل علامات تأخر النمو، الذي سيتلقى علاجًا له لاحقًا، فقرر وضع ميسي على الجناح الأيمن، حيث يكون قريبًا من جدته.
وذكر بالاجي أن أباريسيو قال للمرأة: "إذا رأيته يبكي أو خائفًا، فأخرجيه من الملعب".
ووصف أباريسيو، الذي توفي عام 2008، في عدة مقابلات، كيف فشل ميسي في السيطرة على الكرة في أول مرة وصلت إليه، لكن في اللعبة التالية استلم الكرة بقدمه اليسرى، وراوغ سلسلة من المدافعين. هكذا وُلدت أسطورة.
مشجعو كرة القدم يشاهدون ميسي الشاب "مارادونا الجديد"
وفي الأرجنتين، تُعدّ أندية "كرة القدم للصغار" بمثابة ملاعب تدريب للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و13 عامًا.
وعلى عكس فرق الشباب للمراهقين، لا تحصل هذه الأندية على أي نسبة من رسوم انتقال اللاعبين عندما ينتقلون إلى أندية أخرى لاحقًا في مسيرتهم الكروية. وتُشكّل هذه المدفوعات التضامنية مصدر دخل هامًا للأندية حول العالم التي طوّرت لاعبين موهوبين قبل احترافهم.
وبدلًا من ذلك، تعتمد هذه الأندية على الرسوم الشهرية التي تدفعها العائلات، ومبيعات التذاكر في أيام المباريات. وفي حالة نادي جراندولي، تمكّن النادي من استغلال شهرة ميسي لتوليد دخل إضافي من الإعلانات لعلامات تجارية لمشروبات الطاقة والبيرة.
وفي غرفة تبديل الملابس الصغيرة بالنادي، تعرض خزانة تضمّ الكؤوس والصور لفريق ميسي للشباب تاريخ مسيرة هذا اللاعب الأعسر الماهر في النادي، وتُشكّل مصدر إلهام لنحو مئة طفل يتدربون هناك.
"كان لاعبًا من نوع مختلف.. كل ما عليك فعله هو تمرير الكرة إليه ودعمه.. كان واضحًا منذ البداية أنه يمتلك مستقبلًا باهرًا"، هكذا استذكر أساليس، الذي يلعب ابناه الآن في النادي.
وتابع: "كان يتجاوز ثلاثة أو أربعة لاعبين بسهولة، وكنا ننتظر الكرة المرتدة، أو كان يُسجّل الهدف بنفسه".
ومع تزايد الأهداف، توافد عدد متزايد من المشجعين إلى أرض الملعب في عطلات نهاية الأسبوع لمشاهدة "مارادونا الجديد"، الذي وُلد بعد عام من فوز أسطورة كرة القدم الأرجنتينية دييجو مارادونا بكأس العالم عام 1986.
"ما شاهده الآخرون كبالغين، كنا محظوظين بما يكفي لنشاهده منذ البداية.. لقد كان رائعًا"، هكذا قال ديفيد تريفز، أحد مدربي جراندولي ورئيسه لمدة 17 عامًا حتى عام 2023.
وواصل: "كان يتمتع بسرعة مذهلة وتحكم رائع بالكرة.. في ذلك الوقت، لم يكن الملعب مميزًا، بل مجرد أرض ترابية. وقد جعلت مهاراته الفنية قيوده البدنية غير مرئية".
من جراندولي إلى كأس العالم
في سن السابعة، انتقل ميسي إلى نادي نيولز أولد بويز، أحد أشهر أندية روساريو. وعندما رفض النادي تمويل علاجه من نقص هرمون النمو، الذي كان يهدد مسيرته الكروية، انتقلت عائلة ميسي إلى إسبانيا، إذ رحّب برشلونة باللاعب الموهوب، البالغ من العمر 13 عامًا، في أكاديميته، وعرض عليه دفع تكاليف علاجه.
وخلال مسيرته الكروية الحافلة بالألقاب مع برشلونة وباريس سان جيرمان، والآن مع إنتر ميامي، لم يعد ميسي إلى جراندولي قط، لكن بعض تصرفاته تُذكّر ببداياته هناك.
ويشير ميسي إلى السماء بإصبعه السبابة أثناء احتفالاته بالأهداف، تكريمًا لجدته التي توفيت عام 1998، والتي يُنسب إليها الفضل في تشجيعه على ممارسة كرة القدم.
وبعد فوزه بكأس العالم مع الأرجنتين في قطر عام 2022، نشر ميسي رسالة مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي: "من جراندولي إلى كأس العالم في قطر، مرّت قرابة ثلاثين عامًا، ثلاثة عقود تقريبًا منحتني فيها الكرة أفراحًا كثيرة، وبعض الأحزان أيضًا. لطالما حلمت بأن أصبح بطلًا للعالم، ولم أرد التوقف عن المحاولة".
ولم تغب هذه الرسالة عن ناديه الذي نشأ فيه، إذ كُتبت عبارة "من جراندولي إلى كأس العالم في قطر" على قمصان الأطفال الذين كانوا يلعبون كرة القدم في ظهيرة باردة من شهر مايو.
وأطلق الحكم صافرة النهاية، فاندفع الأطفال من الملعب نحو مقهى النادي، بعدما جذبتهم رائحة البطاطا المقلية وشطائر الدجاج.
ومع اقتراب موعد كأس العالم في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، يعوّل لاعبو جراندولي الشباب، كبقية الأرجنتينيين، على وجود ميسي هناك، ليقود أبطال العالم للمرة الأخيرة.
واختتم فالنتين إنريكيز، البالغ من العمر 11 عامًا: "لن يكون هناك مثله أبدًا، أشعر بالحزن لأن أفضل لاعب في المنتخب الوطني سيغادر".