الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

جامعة سنجور.. جسر للقوة الناعمة يربط مصر بالعالم الفرانكوفوني

  • مشاركة :
post-title
مقر جامعة سنجور الجديدة بمدينة برج العرب بالإسكندرية

القاهرة الإخبارية - طه العومي

بين ضفتي نهري النيل والسين، يمتد جسر من الإبداع الإنساني والتلاقي الحضاري لم ينقطع عبر العصور، كالنهر الجاري. ولم تكن العلاقة بين القاهرة وباريس مجرد تبادل دبلوماسي عابر، بل "شراكة وجدان" ضاربة في جذور التاريخ، وتغدو الثقافة والتعليم حجر الزاوية وأداة من أدوات القوة الناعمة التي تربط العاصمتين العريقتين بالعالم أجمع، وبالقارة الإفريقية على وجه الخصوص.

وفيما تستعد الدولة المصرية، بحضور رفيع المستوى، لتدشين المقر الدائم والحديث لجامعة سنجور بمدينة برج العرب، يبرز هذا الصرح الأكاديمي بوصفه أحد أهم الأذرع التنموية للفضاء الفرانكوفوني في قلب الإسكندرية، حيث يتجاوز التعليم حدود القاعات الدراسية ليغدو مختبرًا لإعداد القيادات الإفريقية، وصون التراث، ومواجهة تحديات التنمية المستدامة.

افتتاح جامعة سنجور

يبدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارة رسمية إلى مصر، اليوم السبت، تتضمن افتتاح الحرم الجامعي الجديد لجامعة سنجور بمدينة برج العرب بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر)، إلى جانب عقد قمة ثنائية مع نظيره المصري عبدالفتاح السيسي؛ لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك، ومناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

وتضطلع جامعة سنجور بدور حيوي ومحوري بوصفها ذراعًا أكاديمية وتنموية للقارة الإفريقية، إذ تتجاوز وظيفتها الإطار التعليمي التقليدي لتتحول إلى مركز لإعداد القيادات القادرة على دفع مسارات التنمية في دول الفرانكوفونية.

وانتقلت الجامعة مؤخرًا من مقرها المؤقت في "قصر القطن" بالمنشية إلى مقرها الدائم والحديث في مدينة برج العرب الجديدة، ومن المقرر افتتاحه رسميًا بحضور الرئيسين المصري والفرنسي، بما يعكس الأهمية الإستراتيجية التي تحظى بها المؤسسة في سياق العلاقات المصرية الفرنسية والإفريقية.

الهوية والأهداف

تأسست جامعة سنجور عام 1989 بقرار من قمة داكار للدول الناطقة بالفرنسية، وتحمل اسم الرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سيدار سنجور، أحد أبرز رموز الفرانكوفونية.

ويضم الحرم الجامعي الجديد في برج العرب مرافق حديثة ومتطورة، تشمل مباني أكاديمية مجهزة بأحدث التقنيات، ومجمعًا سكنيًا فندقيًا للطلاب وأعضاء هيئة التدريس، ومرافق رياضية متكاملة، إلى جانب مكتبة ضخمة تضم آلاف المراجع المطبوعة والرقمية.

وتتخذ الجامعة من مرحلة الماجستير المهني محورًا رئيسيًا لها، حيث تستقطب سنويًا نخبة من الموظفين والباحثين من مختلف الدول الإفريقية، بهدف إعادة تأهيلهم علميًا ومهنيًا بما يمكنهم من تولي مواقع قيادية في المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية، بما يسهم في تقليص الفجوات الإدارية والتنموية في عدد من الدول الإفريقية.

كما تُعد الجامعة من المؤسسات الرائدة في مجال علوم البيئة والتنمية المستدامة في إفريقيا، إذ تقدم برامج متخصصة في إدارة التغير المناخي والموارد الطبيعية، وتعمل على إنتاج حلول علمية للتحديات البيئية مثل التصحر وشح المياه، إلى جانب تأهيل خبراء في إدارة المشروعات التنموية وفق معايير دولية.

وتعتمد الجامعة نظام "بولونيا" الأوروبي، وتضم عددًا من التخصصات الدقيقة في مجالات التنمية المستدامة، من بينها إدارة المشروعات، والإدارة العامة، وإدارة البيئة، ودراسات التغير المناخي، والصحة العامة والتغذية، وإدارة التراث الثقافي والمتاحف، إضافة إلى التربية والتدريب لإعداد الكوادر التعليمية.

وتهدف الجامعة إلى إعداد كوادر إفريقية مؤهلة قادرة على مواجهة تحديات التنمية المستدامة والارتقاء بمؤسسات القارة، كما تمتد شبكتها الأكاديمية إلى17 دولة إفريقية وأوروبية، ما يجعلها نموذجًا للتعاون الدولي متعدد الأطراف، وتقدم مصر من خلالها منحًا دراسية لطلاب من مختلف أنحاء القارة السمراء، بما يعزز دورها كمركز إشعاع علمي وثقافي إقليمي.

صورة تجمع الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال تواجدهم في خان الخليلي بالقاهرة
دور الجامعة في إفريقيا

باعتبارها جامعة دولية ناطقة بالفرنسية، تعمل سنجور على تعزيز الروابط الثقافية بين الدول الإفريقية وفرنسا وبقية دول الفضاء الفرانكوفوني، بما يسهم في تسهيل انتقال المعرفة وبناء شبكات تواصل بين النخب الإفريقية، وتعزيز التعاون "الأفرو-إفريقي".

وتتميز الجامعة بتخصصات نوعية، لا سيما في مجال إدارة التراث والمتاحف، وهو مجال بالغ الأهمية في قارة غنية بالتاريخ والآثار، حيث تسهم في تخريج كوادر قادرة على حماية الهوية الإفريقية، وترميم المواقع الأثرية، وإدارة المؤسسات الثقافية وفق أسس احترافية تعزز حضور إفريقيا على خريطة السياحة العالمية.

كما تسهم برامجها في الصحة العامة والتغذية في تطوير السياسات الصحية داخل المجتمعات الإفريقية، إلى جانب دعم تطوير النظم التعليمية من خلال برامج إعداد المعلمين وتحديث المناهج، بما يرسخ مسارات التنمية المستدامة من القاعدة إلى القمة.

تعاون مصري فرنسي

يمثل هذا الحراك التعليمي امتدادًا لمسار استراتيجي متصاعد شهدته السنوات الأخيرة، تُوّج بسلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى بين قيادتي البلدين، وتجديد اتفاقيات التعاون العلمي والأكاديمي، وتوسيع نطاق البعثات البحثية والأثرية.

ومن ممرات المعهد الفرنسي للآثار الشرقية إلى البرامج المشتركة في العاصمة الإدارية الجديدة، تواصل الدبلوماسية الثقافية المصرية الفرنسية ترسيخ مسار تعاون لا يكتفي بقراءة التاريخ، بل يسهم في صناعة المستقبل من خلال تمكين الشباب والباحثين، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي رائد في التعليم والبحث العلمي.

ويشهد التعاون الثقافي المصري الفرنسي تطورًا ملحوظًا، حيث يدرس آلاف الطلاب في نحو 13 شعبة للغة الفرنسية بالجامعات المصرية، إلى جانب الآلاف من الدارسين في المعهد الفرنسي بمصر، ونحو 2000 طالب مصري في فرنسا حاليًا.

كما تنتشر في مصر عشرات المدارس الفرنسية المعترف بها، التي بدأ معظمها كمؤسسات إرساليات في الماضي، فيما يُعد المركز الثقافي الفرنسي أحد أبرز القنوات لنشر الأنشطة التعليمية والثقافية والفنية.

وتشارك مصر أيضًا في المعهد العربي بباريس، الذي أُنشئ ثمرة تعاون بين فرنسا و22 دولة عربية، ليشكل اليوم جسرًا ثقافيًا بين فرنسا والعالم العربي. وفي يونيو 2018، جرى الاتفاق خلال لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان على تعزيز الشراكة الثقافية بين البلدين في إطار مشروعات كبرى، من بينها مدينة الفنون والثقافة والأوبرا بالعاصمة الإدارية الجديدة، والمتحف المصري الكبير، ومتحف الحضارة.

كما شهد عام 2014 توقيع اتفاقية تعاون في مجال البحث العلمي بين مصر وفرنسا، تضمنت برنامج منح تمويل مشترك يدعمه الجانب الفرنسي بمنح ما بعد الدكتوراه بنحو 200 ألف يورو سنويًا، تغطي 50% من تكلفة البرنامج، إضافة إلى دعم أبحاث متخصصة في مجال المياه عبر مركز البحوث والتطوير الفرنسي.

ويتولى المعهد الفرنسي في مصر تنشيط أوجه التعاون العلمي والثقافي بين البلدين، حيث يتمثل الحضور الفرنسي البحثي بشكل خاص في معهد البحوث من أجل التنمية، ومركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية، اللذين تتركز أعمالهما في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، ولا سيما الحوكمة والسياسات العامة، والتطور المدني وتحسين حركة النقل، والإنسانيات الرقمية.