الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

بـ 250 يورو.. أكاديمي فرنسي يمنح "نوبل المزيفة"

  • مشاركة :
post-title
الأكاديمي الفرنسي فلورنت مونتكلير مع ميداليته الذهبية المزيفة في فقه اللغة عام 2016

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

في حفل أُقيم في الجمعية الوطنية الفرنسية، حضره حائزون على جائزة نوبل، ووزراء سابقون، وأعضاء في البرلمان، وعلماء وأكاديميون بارزون، انصبّ كل الاهتمام على أستاذ أدب لم يكن معروفًا من قبل. كان فلورنت مونتكلير، البالغ من العمر آنذاك 46 عامًا، وهو رجل أصلع يرتدي نظارة وبدلة غير مناسبة وقميصًا وردي اللون، يتسلم الميدالية الذهبية لعام 2016 في فقه اللغة (دراسة اللغويات) من جمعية دولية تحمل الاسم نفسه.

وقتها، قبل عشر سنوات، أُبلغ الحاضرون أن مونتكلير كان أول فرنسي يحصل على الميدالية، التي سبق أن مُنحت للكاتب واللغوي الإيطالي أومبرتو إيكو.

كان حدثًا باهرًا وإنجازًا مثيرًا للإعجاب، ولكن لسوء الحظ فإن الجائزة نفسها كانت مزيفة تمامًا، وجزءًا من خدعة دولية معقدة "تستحق أن تكون سيناريو فيلم"، حسب تعبير صحيفة "ذا جارديان" البريطانية.

ففي الحقيقة، لم تكن هناك جامعة دولية لعلم اللغة، كما أن الجامعة الأمريكية التي يُفترض انتسابه إليها لم تكن موجودة إلا على الإنترنت، وقد عُثر على عنوانها في متجر مجوهرات في مدينة لويس بولاية ديلاوير.

أما الجائزة، التي تُشبه جائزة نوبل، فقد ابتكرها مونتكلير، واشترى الميدالية من صائغ مجوهرات في باريس مقابل 250 يورو ليقدمها لنفسه.

وفي الوقت الحالي، يخضع أستاذ الأدب الفرنسي للتحقيق بتهم التزوير، واستخدام وثائق مزورة، وانتحال الشخصية، والاحتيال.

وتنقل الصحيفة البريطانية عن المدعي العام بول إدوارد لالوا، من مونتبليار شرق فرنسا، أن المحققين أمضوا شهورًا في محاولة كشف ما وصفه بـ"شبكة من الأكاذيب"، وأضاف: "لقد كانت خدعة ضخمة. يمكن تحويلها إلى فيلم أو مسلسل تلفزيوني".

نوبل المزيفة

كان مونتكلير مدرسًا عاديًا يحب كتابة كتب الخيال، وكثير منها عن مصاصي الدماء، في أوقات فراغه. حتى عام 2015، عندما ظهر مقال في صحيفته المحلية "بيزانسون" بعنوان: "رجل محلي على القائمة المختصرة لجائزة نوبل"، يدّعي أنه على وشك الفوز بما يعادل جائزة نوبل أو ميدالية فيلدز.

ذكر التقرير أن مونتكلير وصل إلى المراكز الخمسة الأخيرة للفوز بالجائزة الدولية المرموقة. وفي ديسمبر، أفادت التقارير بفوزه بالجائزة، وفي يونيو من العام التالي أُقيم حفل توزيع الجوائز في باريس.

وبعد حفل الجمعية الوطنية، قرر أن يكون المتلقي التالي هو المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 87 عامًا، والذي سافر إلى باريس لتسلم الجائزة أمام 200 شخص.

ولولا طموح مونتكلير، لربما لم يُكشف أمر الخدعة المزعومة. ففي عام 2018، تقدم بطلب ترقية إلى وزارة التعليم العالي الفرنسية، مدّعيًا أنه دعم طلبه بتقديم "دكتوراه حكومية" مُنحت له من الجامعة الأمريكية نفسها. ورغم أن هذه الشهادة لم تكن معترفًا بها في فرنسا، فقد تمت ترقيته لاحقًا وعُيّن أستاذًا مشاركًا.

لكن في العام نفسه أيضًا، عندما أعلن مونتكلير فوز الأكاديمي الروماني يوجين سيميون، الذي كان يبلغ من العمر 85 عامًا آنذاك، بدأت الخدعة المعقدة المزعومة في الانهيار، بعد أن قام صحفيون رومانيون من موقع "Scena9" الإلكتروني، والذين أثارهم التكريم الذي مُنح لأحد مواطنيهم، بالبحث بشكل أعمق.

هنا، اكتشفوا أن "جامعة فقه اللغة والتربية" و"الجمعية الدولية لفقه اللغة" كانتا موجودتين فقط من خلال مواقع إلكترونية تم إنشاؤها واستضافتها في فرنسا. وجاء عنوان تحقيقهم: "جائزة نوبل المزيفة التي خدعت الأكاديمية الرومانية".

دراما واقعية

حتى عندما ظهرت الحقيقة في عام 2019، مرت دون أن يلاحظها أحد في فرنسا، حيث واصل مونتكلير عمله في الجامعة.

ووفق صحيفة "لوموند" الفرنسية، لم تظهر الحقيقة إلا في العام الماضي، عندما كان من المقرر أن يترأس مونتكلير نقاشًا حول الأخبار الكاذبة، وتذكر أحد الزملاء أنه سمع الشائعات من رومانيا.

عندما تم القبض عليه، جادل مونتكلير المحققين بأن الميدالية ليست مزيفة، "فالتزوير يعني وجود ميدالية أصلية. وبما أن ميدالية فقه اللغة الأصلية غير موجودة، فلا يمكن أن تكون ميداليته مزيفة". كما نفى مقارنة الجائزة بجائزة نوبل أو ميدالية فيلدز.

ونُقل عنه قوله: "إنها ليست عملية احتيال. إنها محاولة لإرساء تمييز جديد في عالم الأوساط الأكاديمية. محاولة وفشلت".

كما نقلت "لوموند" عن محامي مونتكلير أن القضية كانت "دراما واقعية"، مضيفًا أنه يعتقد أن موكله "كان متأثرًا بعض الشيء بما صنعه"، مشيرًا إلى أن ابتكار جائزة دولية والجمعية التي تمنحها "ليس جريمة جنائية".

وقال: "يقول الناس إنه قبل 10 سنوات وقع الجميع ضحية خدعة ضخمة، لكن لكل شخص الحق في أن يكون خياله واسعًا؛ الأمر متروك للشخص الذي تتحدث إليه ليقرر ما إذا كان يصدق ذلك أم لا".

وقرر المدعي العام أنه سيجري جلسة تحقيق أخرى مع مونتكلير خلال أسابيع قليلة، وسيقرر حينها ما إذا كان ينبغي توجيه أي تهم إليه. وفي حال إدانته، سيواجه الأكاديمي الفرنسي عقوبة قصوى بالسجن لمدة خمس سنوات.