من بوابة مطار القاهرة، في صباح الخامس من مايو، خرج جثمان النجم الكبير هاني شاكر ملفوفًا بعلم مصر، عائدًا من باريس بعد يومين من رحيله، ليكتب تاريخ الرحلة الأخيرة من حيث بدأ صوته، وبين ناسه الذين حفظوا أغنياته عن ظهر قلب.
انطلقت السيارة بالجثمان نحو مستشفى زايد التخصصي، وهناك، قضى ليلته الأخيرة قبل أن يُشيَّع اليوم، وقفت زوجته نهلة ونجله شريف محاطين بالحزن والبكاء، بينما رافقه أيضًا كل من نقيب الموسيقيين المصريين مصطفى كامل، ونادية مصطفى، رفقاء درب جمعهم الفن والنقابة.
وخلال الأيام الخمسة التي سبقت الدفن، لم يكن الحزن حكرًا على مكان بعينه، إذ تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى دفتر عزاء مفتوح، كتب البعض عن مواقف إنسانية لا تُنسى، واستعاد آخرون أغنيات شكّلت وجدان أجيال، لم يكن رثاءً عاديًا، بل حالة وجدانية امتدت من مصر إلى كل بيت عربي، ترددت فيها جملة واحدة كأنها نشيد وداع: "نسيانك صعب أكيد".
ورغم هذا الحضور الطاغي في القلوب، غاب المشهد الجماهيري الذي تمناه محبوه، فقرار الأسرة بإقامة الجنازة في مسجد داخل أحد المجمعات السكنية "الكمبوندات"، بعيدًا عن الزحام، جاء بدافع الحماية من فوضى شهدتها جنازات سابقة، لكنه في الوقت نفسه حرم الآلاف من لحظة الوداع الأخيرة، ظل الحلم معلقًا بأن يتحول هذا الصمت الإلكتروني إلى صرخة حقيقية خلف النعش، كما حدث يوم وداع عبد الحليم حافظ، حين خرجت القاهرة عن بكرة أبيها، أو في جنازة أم كلثوم، حين تدفق الناس كالنهر، يحملون حبهم على الأكتاف قبل النعش.
ذاكرة المصريين، التي لا تنسى طقوس الوداع الكبرى، استحضرت تلك المشاهد القديمة بكل تفاصيلها؛ جثمان العندليب الذي عاد من لندن ليُحتفظ به يومين قبل التشييع، ثم خرجت له جموع لا تحصى، وجنازة كوكب الشرق التي بدت وكأنها نهر بشري لا نهاية له، وبين هذا وذاك، كان اسم هاني شاكر حاضرًا، كامتداد لصوت عاش طويلًا في وجدان الناس، وإن اختلفت ملامح الرحيل.
وفي مسجد "أبو شقة" بمدينة السادس من أكتوبر، جاء الوداع هادئًا مخلوطًا بالحزن، حضر عدد من نجوم الفن، بينهم فيفي عبده وإيهاب توفيق ومصطفى قمر ولبلبة، يحملون ملامح حزن صادق، ويستعيدون لحظات جمعتهم به، وخارج المسجد، رفع محبوه صوره، وكتبوا كلمات وداع على لافتات صغيرة، وزيّنوا اللحظة بالورود، كأنهم يصرون على أن يكون الرحيل جميلًا رغم قسوته.
داخل المسجد، اختلطت أصوات الدعاء بالبكاء، وتلاشت الفواصل بين الكلمات والدموع، وقف نجله أمام الجثمان، يودع والده بنظرة أخيرة، يحمل فيها كل ما لم يقل، وكل ما لا يمكن قوله، لم يكن بكاؤه مجرد حزن، بل كان تلخيصًا لعلاقة انتهت فجأة عند حد الفراق.
وفي تلك اللحظة، بدا أن الحكاية لم تنتهِ، فالصوت الذي غنى للحب والوجع، والذي رافق لحظات الفرح والانكسار، لم يرحل مع الجثمان، ظل معلقًا في القلوب، يتردد في الذاكرة، هكذا يبقى فن هاني شاكر حاضرًا، حتى بعد الغياب.