الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.. توافق وحيد و6 خلافات

  • مشاركة :
post-title
جنوب لبنان يشهد قصفا إسرائيليا متواصلا رغم وقف إطلاق النار

القاهرة الإخبارية - أحمد سنجاب(لبنان)

منذ عام 1982، لم تتوقف المفاوضات (المباشرة تارة وغير المباشرة تارات أخرى) بين لبنان وإسرائيل، التي أسفرت عن اتفاقات عديدة بين البلدين، منها ما دخل بالفعل حيز التنفيذ، ومنها ما ظل حبرًا على ورق. إلا أن المفاوضات المرتقبة بين الجانبين تكتسب أهمية خاصة في توقيت حساس يواجه فيه لبنان تحديديات غير مسبوقة، ما يجعله أحوج ما يكون إلى إنجاز هذه المهمة التي لم تبدأ بعد، رغم اجتماعين على مستوى سفيري البلدين في واشنطن (اللبنانية ندى حمادة معوض والإسرائيلي يحيئيل ليتر).

وبصرف النظر عن الخلاف اللبناني الداخلي (بين فريقي الرئاسة من جهة والثنائي الشيعي من جهة أخرى) حول مشروعية المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، إلا أن هناك توافقًا بين طرفي الخلاف حول مطالب لبنان، والمتمثلة في وقف دائم لإطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل من كل الأراضي اللبنانية، وحل النقاط الخلافية حول الحدود البرية بين البلدين، وتثبيت اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2022 عبر مفاوضات غير مباشرة قادها المبعوث الأمريكي آموس هوكستين، وإعادة الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل وإعادة إعمار الجنوب اللبناني.

وانطلاقًا من نقطة التوافق في الداخل اللبناني، حصلت مبادرة الرئيس جوزاف عون للتفاوض المباشر مع إسرائيل على دفعة قوية جعلت الرئاسة اللبنانية تعلن عن تعيين السفير سيمون كرم رئيسًا لوفد لبنان المفاوض، ورفعت الآمال في ألا يلقى أي اتفاق محتمل ذات مصير اتفاق 17 مايو عام 1983 الذي وقّعه رئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميل بعد 35 اجتماعًا مباشرًا (خلال أربعة أشهر ونصف الشهر) أسفرت عن تفاهم من 12 بندًا نصَّ في ديباجته على إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، والتمهيد لاتفاقية سلام بين الطرفين. لكن ضغوطًا داخلية وخارجية أسقطت الاتفاق وظل الإحتلال الإسرائيلي للجنوب حتى عام 2000.

بالتأكيد، المشهد اليوم مختلف عن عام 1983، إلا أن هذه الايجابية تصطدم بسقوف المطالب بين لبنان وإسرائيل، إذ إن هناك توافقًا وحيدًا بين الجانبين متمثل في ضرورة فصل الجبهة اللبنانية عن الإيرانية، حتى وإن لم يكن لدى المفاوض اللبناني القدرة على تحقيق هذا الفصل على أرض الواقع. لكن الخلافات بين الجانبين تأتي في 6 نقاط أساسية.

النقطة الأولى تتمثل في مطلب لبناني بوقف إطلاق النار بشكل دائم ومنع إسرائيل من تنفيذ أي ضربات في لبنان، فيما تشترط إسرائيل مبدأ حرية الحركة في التعامل مع ما تراه تهديدًا لها داخل الآراضي اللبنانية وفقًا لتقديراتها، وهو ما يعني انتهاكًا دائمًا للسيادة اللبنانية على أجوائها. إذ إن الشرط الإسرائيلي يعني استمرار المسيّرات الإسرائيلية في التحليق بالأجواء اللبنانية لرصد أي تحركات، وتحديدًا في الجنوب اللبناني وعلى طول الحدود الشرقية اللبنانية مع سوريا التي تضم محافظتي البقاع وبعلبك الهرمل.

النقطة الثانية تتعلق بالإنسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية بما في ذلك البلدات الحدودية التي توغل فيها جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي يبدى مرونة في الانسحاب من عمق المناطق الجنوبية (مثل بلدات البياضة وشمع في القطاع الغربي ورشاف والطيري وعيناتا في القطاع الأوسط وديرسريان ومرجعيون في القطاع الشرقي) بينما يصر على البقاء في عدد من النقاط بالبلدات الحدودية التي كان يوجد فيها بعد انتهاء حرب عام 2024، وهو ما يرفضه لبنان تمامًا باعتباره احتلالًا يجعل من قبول الاتفاق أمرًا مستحيلًا.

النقطة الخلافية الثالثة تدور حول الاتفاق على ترسيم الحدود البرية بين البلدين. والأمر لا يتعلق فقط بمزارع شبعا المحتلة والمتنازع عليها بين لبنان وسوريا، إذ إن اسرائيل تعتبر أن هذه الأرض تابعة لسوريا ولا مجال للتفاوض بشأنها مع لبنان الذي يتمسك بأحقيته في هذه الأرض التابعة لقضاء حاصبيا بمحافظة النبطية، بل يمتد إلى أكثر من 10 نقاط أخرى لقرى لبنانية من بينها الغجر وكفر كلا وميس الجبل وبليدا في القطاع الشرقي وصولًا إلى رميش في القطاع الأوسط وعلما الشعب ورأس الناقورة في القطاع الغربي. وخلال مفاوضات غير مباشرة على مدار السنوات الماضية، تم تقليص الخلاف على حدود ما يقرب من 7 بلدات بينما تبقى خلافات جوهرية حول ما يزيد على 5 بلدات.

وتعد النقطة الرابعة الأخطر؛ لأنها تتعلق بسلاح حزب الله، إذ يصر لبنان على نزع سلاح الحزب عبر آليات وطنية تشمل تفاهمات مع الحزب وتحركات للمؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية، بعد دعمها دولة بالأسلحة والمعدات والتمويل اللازم، فيما تصر إسرائيل على تنفيذ عملية نزع سلاح الحزب بالقوة وتحت عينها وبمشاركتها إذا اقتضت الضرورة. وهو ما يعني استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية.

وتعني النقطة الخامسة تراجعًا للوراء، حيث تتعلق بالحدود البحرية بين البلدين. وفي حين يتمسك لبنان باتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي تم التوصل لها عام 2022 عبر مفاوضات غير مباشرة قادها المبعوث الأمريكي للبنان آنذاك آموس هوكستين بعد جولات استمرت عدة أعوام، فإن إسرائيل تسعى لتغيير هذه الاتفاقية لتوسع حدودها البحرية، وهو ما يعني حرمان لبنان من مساحات من مياه الإقليمية التي شرع بالفعل في الكشف عن ثرواتها البترولية عقب الاتفاق.

وتتعلق النقطة السادسة بإعادة إعمار الجنوب وعودة السكان إليه، وهو مبدأ لبناني لا يمكن التفريط فيه بنص الدستور وبقوة الضغط الشعبي، وهو يتعارض مع أرض الواقع بعدما أقدمت إسرائيل على تمدير كامل لعدة بلدات على طول الشريط الحدودي مع لبنان والممتد لمسافة تصل إلى 120 كيلومترًا من أجل فرض منطقة عازلة بالقوة، وخصوصًا أن لبنان سبق أن وافق على إقامة منطقة أمنية بالجنوب في الاتفاق الملغي عام 1983.

وبعيدًا عن هذا النقاط الخلافية، هناك نقطتان لا توافق ولا خلاف عليهما، إذ إن لبنان يطرح الإفراج عن الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية بعد أن اختطفتهم إسرائيل من لبنان منذ عام 2024 وحتى اليوم، فيما لم ترد إسرائيل إطلاقًا على هذا الطرح لا بالقبول ولا الرفض، فيما يطرح الوسطاء موضوع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل ولبنان الذي لا جواب لديه حتى الآن حول هذا الأمر قبل حل النقاط الخلافية.

وفي الأخير، المطالب الإسرائيلية يعتبرها لبنان انتهاكًا لسيادته ومساسًا باستقلاله، فيما يعتبر الجانب الإسرائيلي مطالب لبنان بأنها تفريط في أمن تل أبيب وأمن مستوطني الشمال بعد حرب الإسناد التي بدأها حزب الله عام 2023 والحرب الراهنة.