الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

بين الردع العسكري والدبلوماسية.. مصر تعيد تشكيل الإقليم بالحرب والسلام على مدار التاريخ

  • مشاركة :
post-title
مصر تعيد تشكيل الإقليم بالحرب والسلام

القاهرة الإخبارية - عبدالله علي عسكر

منذ أكثر من 15 عامًا تعيش منطقة الشرق الأوسط فيما يشبه خطوط النار، فما تكاد تنطفئ في منطقة تشتعل في أخرى، مع تشابك التحالفات والخصومات، وفي هذه الصورة الملتهبة وعلى مدار التاريخ كانت مصر -ولا تزال- في واجهة المشهد الإقليمي لاعبا رئيسيًا، ويمتد حضورها من حدود غزة إلى ليبيا مرورًا بأزمات السودان وتعقيدات البحر الأحمر، لتتحرك القاهرة ضمن مسار دقيق يجمع بين القوة وحسابات السياسة في بيئة إقليمية مضطربة.

عقيدة عسكرية

ومع احتفال المصريين بعيد تحرير سيناء الرابع والأربعين في الخامس والعشرين من أبريل، يُطرح تساؤل حول ما إذا كان الظهور المصري ترجمة لإعادة تشكيل الإقليم أم إدارة لتوازناته الهشة لمنع انهياره.

على عكس قوى إقليمية اختارت الانخراط العسكري المباشر، تتبنى مصر مقاربة تقوم على الردع دون التورط، إذ ترتكز العقيدة الأمنية وفق خبراء على حماية المجال الحيوي دون الانزلاق إلى حروب مفتوحة تستنزف الموارد.

وقال اللواء دكتور وائل ربيع، مستشار مركز الدراسات الإستراتيجية والخبير في الأمن الإقليمي المصري، في حديثه لموقع قناة "القاهرة الإخبارية"، إن العقيدة القتالية للجيش المصري تمثل فلسفة التعامل مع الأخطار عبر إدارة أدوات الردع.

وأوضح أن العقيدة ليست مجرد تسليح بل رؤية متكاملة لحماية الدولة من التهديدات الداخلية والخارجية في عالم سريع التحول، مع إعادة صياغة أولويات الجيش المصري لمواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية مثل الإرهاب والحروب السيبرانية.

وأشار إلى أن رفع الكفاءة القتالية يعتمد على امتلاك القدرات واستخدامها في التوقيت المناسب، مع تطوير التسليح وتنويع مصادره، لافتًا إلى أن مواجهة الإرهاب في سيناء عكست تطورًا في العقيدة من خلال الدمج بين العمليات المختلفة.

عنصر ردع

قال "ربيع" إن "القوة العسكرية المصرية تمثل قوة ردع إستراتيجية نشطة على مستوى الإقليم، هدفها الحفاظ على توازن القوى وردع أي اعتداء على مقدرات الدولة"، وأوضح أن الردع لا يعني الهجوم بل امتلاك الوسائل لإفشاله قبل أن يبدأ، مع يقين الخصم بأن أي تهديد للأمن القومي سيقابل برد مدروس وحاسم.

وأضاف أن امتلاك القدرة على تصنيع السلاح وتطويره يمثل ضمانًا للاستقلال، مشيرًا إلى توطين الصناعات العسكرية في مجالات متعددة، بما يعزز بناء قوة ردع متكاملة في بيئة إقليمية مضطربة.

وأشار إلى أن الإستراتيجية العسكرية تقوم على المزج بين الردع العسكري والمواءمة الدبلوماسية، مع عدم الانجرار إلى صراعات مباشرة إلا عند تهديد الأمن القومي، ولعب دور الوسيط في أزمات السودان وغزة والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

ملفات النزاع

وأكد "ربيع" أن مصر تولي اهتمامًا بتطبيق خطة السلام الخاصة بغزة التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم ما تواجهه من تعنت ومماطلة إسرائيلية وخروقات مستمرة، مشيرًا إلى إدراك مصر ضرورة تكثيف الجهود في أكثر من اتجاه لفرض رؤيتها في الإقليم.

وفي ملف ليبيا، أشار إلى أن مصر تركز على مساعدة القوى الليبية للانتقال من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة مستقرة عبر الدستور والانتخابات، مع معالجة الانقسام المؤسسي وتغول الجماعات المسلحة وهشاشة الوضع الأمني.

وأوضح "ربيع" أن أمن البحر الأحمر يمثل أولوية في السياسة الخارجية المصرية نظرًا لتأثيره على الملاحة الدولية عبر قناة السويس، مشيرًا إلى تداعيات اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال المنشق، الذي قد يؤدي إلى وجود عسكري إسرائيلي على سواحل الإقليم، مع احتمال تنسيق إسرائيلي إثيوبي للحصول على منفذ بحري، وهو ما رفضته مصر واعتبرته تهديدًا لأمن البحر الأحمر.

وأشار إلى تكثيف الجهود المصرية مع الحكومة الصومالية لتعزيز قدراتها، وتطوير التعاون مع الصومال وجيبوتي وإريتريا، إلى جانب التواصل مع جماعة الحوثي عبر سلطنة عُمان والأمم المتحدة، ومع إيران للحد من تأثير الأنشطة على الملاحة.

التجربة المصرية

فيما قال اللواء أركان حرب دكتور إبراهيم عثمان هلال الخبير الإستراتيجي ونائب أمين عام مجلس الدفاع الوطني سابقًا، إن الحديث عن الأمن القومي المصري يأتي مع قرب الاحتفال بعيد تحرير سيناء، في ظل بيئة إقليمية معقدة.

وأوضح أن التجربة المصرية تقوم على المزج بين القوة الصلبة والتحركات السياسية وإدارة الأزمات، مع الحفاظ على الأمن دون الانزلاق إلى صراعات، في إطار إدارة التوازنات واستباق التهديدات.

وأشار إلى أن سيناء تمثل نقطة ارتكاز للأمن القومي، ومجالًا لإدارة التهديدات المستقبلية، مع دورها في احتواء الصدمات الإستراتيجية نتيجة ارتباطها بقطاع غزة والتهديدات غير التقليدية.

بيئة تهديد

أوضح أن الموقع الجيواستراتيجي لمصر يتقاطع مع دوائر تهديد متعددة تشمل شرق المتوسط والصراع العربي الإسرائيلي والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إضافة إلى هشاشة السودان وفوضى ليبيا.

وأشار إلى تهديدات الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، إلى جانب تطور طبيعة الصراعات وانتشار حروب الجيل الرابع والخامس والسادس والتطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي.

وأكد أن سيناء تعزز الردع الإقليمي من خلال الجاهزية العسكرية وانتشار القوات، مع دورها في حماية قناة السويس والربط بين مسارح العمليات، إلى جانب التنمية الاقتصادية كجزء من الردع.

قوة إقليمية عقلانية

من جهته، أكد اللواء اركان حرب أيمن عبدالمحسن، الخبير العسكري والإستراتيجي، أن الدولة المصرية تعد قوة اقليمية عقلانية تعمل للحفاظ على دورها في تحقيق الأمن والاستقرار.

وأوضح أن ذلك يتم من خلال عدم اللجوء إلى القوة الخشنة وعدم التدخل العسكري، واعتماد الحوار والحلول الدبلوماسية والوساطة وتحقيق الاتزان الإستراتيجي والحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وروسيا والصين ودول الخليج العربي.

وأشار إلى أن العقيدة العسكرية دفاعية تستهدف حماية الدولة وتتحول إلى هجومية استباقية عند تهديد الأمن القومي، مع تطوير مستمر لمواجهة التهديدات العابرة للحدود وإنشاء قواعد عسكرية حديثة.

وأكد أن القوة العسكرية المصرية تمثل ردعًا إستراتيجيًا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مع دور رئيسي في ملفات غزة وليبيا والبحر الأحمر، من خلال الوساطة والتنسيق الأمني والسياسي وضمان أمن الملاحة.