تعكس التحركات المصرية في الإقليم نمطًا يجعل منها قوة قادرة على الردع والدبلوماسية بفضل قدرتها على التحدث مع جميع الأطراف حتى المتناقضة منها، ما منحها ثقلًا تفاوضيًا، مدعومًا بشبكة علاقات تمتد بين قوى إقليمية ودولية، إضافة إلى توظيف موقعها الجغرافي ومشروعاتها الاقتصادية في سياق إقليمي ودولي يتسم بتعدد الأزمات وتشابك المصالح.
مقاربات الردع والدبلوماسية
على عكس قوى إقليمية اختارت الانخراط العسكري المباشر في صراعات المنطقة، تتبنى مصر مقاربة تقوم على الردع دون التورط في الحروب، ويظهر هذا التوجه في التعامل مع الملف الليبي من خلال رسم خطوط حمراء واضحة، وكذلك في إدارة التوترات المرتبطة بقطاع غزة ومنطقة البحر الأحمر، حيث تظل القاهرة حاضرة دون أن تكون طرفًا مباشرًا في الصراع.
وفي هذا الإطار، قال السفير حسين هريدي، مساعد وزير خارجية مصر الأسبق، لموقع قناة "القاهرة الإخبارية"، إن "الأوضاع الإقليمية في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج والبحر الأحمر ستتوقف على مآلات المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وفرص نجاح المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية".
وأضاف أن ذلك يرتبط أيضًا بمستقبل قطاع غزة في ضوء خطة ترامب للسلام، واحتمالات نجاح الإدارة الأمريكية في دفع إسرائيل للانسحاب من القطاع، وكذلك بمصير الضفة الغربية في ظل النوايا الإسرائيلية لإخضاع أجزاء منها للسيادة الإسرائيلية.
وأشار إلى أن هذا الإطار سيحدد تحركات السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات المقبلة، في ظل تفاعل أدوار قوى عربية وإقليمية تسعى لرسم خريطة الشرق الأوسط، بدعم من الولايات المتحدة التي تمارس ضغوطًا لتمكين إسرائيل من تحقيق أهدافها الإقليمية.
وأوضح أن الدور المصري يتمثل في كونه رمانة الميزان الإقليمي، مع أولوية الأمن القومي العربي، بما يتطلب قدرات دبلوماسية لمنع تنامي نفوذ تكتلات إقليمية تقودها إسرائيل، مع استمرار الجهود لتنفيذ خطة ترامب والوقوف أمام أي محاولة لضم الضفة الغربية.
نظرية مصر بلا حرب
إذا كانت القوة العسكرية تمثل أحد أوجه التأثير، فإن الدبلوماسية تمثل الوجه الأكثر حضورا، إذ تحتفظ مصر بموقع وسيط في عدد من النزاعات الإقليمية، كما تعتمد على إدارة علاقات مع أطراف متنافسة في الوقت نفسه، مع الحفاظ على توازن دقيق دون الانخراط في محاور حادة، وهو ما يوفر لها مساحة حركة مرنة.
في إطار تحليل دور مصر، قال الدكتور حامد فارس، أستاذ العلاقات الدولية، إن مصر تمتلك رؤية واضحة تستهدف استقرار الإقليم من خلال الابتعاد عن العمل العسكري وتحقيق السلام العادل.
وأوضح أن ذلك يستند إلى الردع العسكري الشامل دون الدخول في حروب إقليمية، مع السعي لبناء تحالف دفاعي عربي كما أشار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في قمة شرم الشيخ عام 2015.
وأشار إلى أن مصر تعمل على تكوين كتلة إقليمية بعيدة عن القوى الدولية الكبرى، مع تعزيز التفاهمات السياسية والاقتصادية، وتطوير منظومة الذكاء الاصطناعي لخدمة المصالح الاستخباراتية.
وأضاف أن هذه الرؤية تقوم على نظرية مصر بلا حرب، بما يعزز دورها القيادي والمتوازن في صناعة السلام، من خلال توسيع الوساطة وتعزيز حضورها في القضايا الإقليمية.
وأكد أن مصر تسعى إلى حلول دبلوماسية في الأزمات، مع اعتبار أمن الخليج جزءًا من أمنها القومي، والعمل على تحقيق وقف إطلاق النار وبناء تحالفات إستراتيجية وتنويع الشراكات مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والولايات المتحدة.
إستراتيجية طويلة الأجل
أوضح "فارس" أن مصر تتبع إستراتيجية طويلة الأجل منذ عام 2014، تستهدف بناء تحالفات مع الدول العربية والخليجية والشرق أوسطية، والعمل على إنهاء الأزمات المعقدة في المنطقة.
وأشار إلى أن القاهرة تضع الأمن القومي العربي في صدارة أولوياتها، وتسعى لإيجاد حلول للقضايا المرتبطة بالقضية الفلسطينية والسودان والبحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وأضاف أن مصر تعتمد سياسة الدبلوماسية الاستباقية، القائمة على تقديم حلول موضوعية بعيدًا عن لغة الحرب، مع الحفاظ على نهج ثابت في معالجة القضايا الشائكة.
وأكد أن مصر تعتمد إستراتيجية التوازن الذكي القائمة على تحقيق مكاسب مشتركة، والعمل على إنشاء تحالفات مع القوى الكبرى، بما يمنحها مرونة في التحرك والتأثير على القضايا المرتبطة بالأمن القومي.
وأشار إلى سعي مصر لبناء شبكة علاقات اقتصادية قوية، تشمل الاتحاد الأوروبي والتحالف المصري التركي الباكستاني السعودي، إلى جانب الحفاظ على التحالفات الثنائية ذات الاهتمام المشترك.
نفوذ اقتصادي
في سياق متصل، قال الدكتور هشام إبراهيم، أستاذ التمويل والاستثمار، إن قوى التأثير الدولي تتنوع بين العسكرية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية، وكلما امتلكت الدولة هذه الأدوات زادت قدرتها على التأثير.
وأوضح أن القوة الاقتصادية عندما تكون قوية داخليًا تشكل نفوذًا وضغطًا على الأطراف الأخرى، وأن لعب مصر دور محوري يزيد من تأثيرها الدولي بشكل إيجابي يسهم في تخفيف التوترات.
وأشار إلى أن مصر تسعى لأن تكون مركزًا إقليميًا للطاقة، ومركزًا لوجستيًا ومركزًا للمحاصيل الإستراتيجية، بما يعزز مكانتها ويجعلها دولة مؤثرة على المستوى الدولي.
وأضاف أن الدولة تتحرك لتعزيز هذا الدور من خلال التركيز على الشأن الاقتصادي، بعيدًا عن الأدوات العسكرية والدبلوماسية التقليدية، مع الاعتماد على مشروعات مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
مشروعات إستراتيجية
وقال "إبراهيم" إن مصر تنفذ مشروعات اقتصادية واستثمارية تدعم نفوذها، خاصة في قطاع الطاقة من خلال خطوط ربط الطاقة مع السعودية وليبيا والسودان والأردن وصولًا إلى الاتحاد الأوروبي.
وأوضح أن هذه المسارات تتيح الوصول إلى أوروبا، في ظل معاناة الاتحاد الأوروبي من أزمة طاقة منذ الحرب الروسية على أوكرانيا وأزمة الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن مصر تمتلك قدرات لتكون مركزًا لوجستيًا، في ظل مشكلات سلاسل الإمداد وإغلاق مضيق هرمز والتهديد بإغلاق مضيق باب المندب، ما يعزز الحاجة لدولة مركزية تمتلك احتياطيًا استراتيجيًا.
وأضاف أن مضيق هرمز يتحكم في نحو 20% من حركة الطاقة و40% من وقود الطائرات، ما يبرز أهمية ضرورة اللجوء إلى الدور المصري كمركز إقليمي للطاقة.
ولفت إلى أن شركة لوفتهانزا ألغت نحو 20 ألف رحلة بسبب نقص الوقود، الذي أدى إلى ارتفاع أسعار التذاكر بين 100% و500%، ما أثر سلبًا على السياحة والقطاعات الاقتصادية.
دور اقتصادي
أوضح "إبراهيم" أن الدبلوماسية الاقتصادية تمثل امتدادًا للدبلوماسية السياسية والعسكرية، حيث تمثل جميعها صوت مصر الخارجي في مختلف المجالات.
وأشار إلى دور وزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطي في الملفات الاقتصادية والاستثمارية إلى جانب السياسية، بما يعكس تداخل هذه المجالات في إدارة العلاقات الدولية.
وأضاف أن النزاعات الحالية تشمل أبعادًا اقتصادية إلى جانب العسكرية، كما يظهر في الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وكذلك في التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
وأكد أن مصر أصبحت من الدول الجاهزة للاستثمار رغم التحديات المرتبطة بالدين العام، مع نجاحها في جذب استثمارات قائمة على المشروعات القومية الكبرى، وأشار إلى أن هذه المشروعات تجاوزت استثماراتها 1.4 تريليون جنيه حتى أبريل 2026، وتشمل تطوير البنية التحتية ومدنا جديدة مثل العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة.
وأضاف أنها تشمل أيضًا المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وقطاعات الطاقة المتجددة والزراعة، بما يوفر فرصًا استثمارية متنوعة، مع توقعات بأن تكون مصر من بين الدول الأسرع نموًا إذا تحسنت الظروف.