بينما تتجه الأنظار نحو العاصمة الباكستانية إسلام آباد، يلف الغموض والضبابية مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل مشهد سياسي يغلب عليه التناقض في التصريحات والتصعيد الميداني في الممرات المائية الحيوية.
وبينما يتحدث البيت الأبيض عن انفراجات دبلوماسية وشيكة، تتصاعد نبرة التحذيرات، لترسم صورة معقدة لصراع لا تقتصر جبهاته على طاولة الحوار، بل تمتد لتشمل الملاحة البحرية وأمن الطاقة العالمي، خاصة مع اقتراب موعد انتهاء الهدنة في الحادي والعشرين من أبريل الجاري.
سياسة خلط الأوراق
ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير أيمن مشرفة، أن السياسة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تعتمد على خلط الأوراق وخلق حالة من الغموض غير البناء، مشيرًا إلى أن تصريحات ترامب تتسم بتناقض حاد، حيث يناقض ما يقوله صباحًا بقرارات مغايرة مساءً، وهو ما أدى إلى ضبابية شديدة في المشهد السياسي الإقليمي.
وأوضح "مشرفة" في لقاء خاص لـ"القاهرة الإخبارية" أن التحركات الدبلوماسية الأخيرة، المتمثلة في توجه وفد أمريكي رفيع المستوى يضم جيه دي فانس وجاريد كوشنر إلى إسلام آباد، بالتزامن مع توجه وفد إيراني برئاسة محمد باقر قاليباف إلى العاصمة ذاتها، تعكس رغبة في استكشاف فرص الحل، لكنها تصطدم بفجوات عميقة في المواقف، خاصة مع تمسك طهران بحق تخصيب اليورانيوم ورفض تقييد برنامجها الصاروخي.
كما لفت السفير مشرفة إلى تحول لافت في أولويات النقاش الدولي، حيث تراجع الحديث عن البرامج الصاروخية لصالح ملف مضيق هرمز، الذي تصدر المشهد، مؤكدًا أن هذا المضيق يمثل ورقة ضغط استراتيجية تستخدمها إيران بمهارة عالية، نظرًا لدوره المحوري في أسواق الطاقة العالمية وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، مما يجعله عنصرًا حاسمًا في أي معادلة تفاوضية قادمة.
اعتراض "توسكا"
وبالتوازي مع المفاوضات، يشتعل فتيل الأزمة في الميدان، بعد إعلان الجيش الأمريكي اعتراض سفينة الشحن الإيرانية "توسكا" في خليج عُمان، وهو ما اعتبرته طهران "قرصنة مسلحة" وانتهاكًا صارخًا لوقف إطلاق النار، متوعدة برد حازم وقريب بمجرد ضمان سلامة الطاقم وعائلاتهم المتواجدين على متن السفينة.
هذا التصعيد انعكس بوضوح على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الذي نفى وجود أي خطط حالية لجولة مفاوضات في إسلام آباد، متهمًا واشنطن بعدم الجدية وممارسة "أعمال عدوانية" تعيق أي تقدم دبلوماسي، ومؤكدًا أن بلاده لا تعترف بمهل زمنية أو إنذارات نهائية فيما يخص مصالحها الوطنية.
وفي المقابل بدا ترامب أكثر انفتاحًا على المغامرة الدبلوماسية، حيث أعرب عن استعداده للقاء كبار القادة الإيرانيين مباشرة إذا سنحت الفرصة، مشددًا في الوقت ذاته على مطلب واشنطن الوحيد غير القابل للتفاوض، وهو تخلّي إيران الكامل عن سعيها لامتلاك أسلحة نووية، مع تلويحه بعواقب "لن تكون لطيفة" في حال انهيار المحادثات أو رفض طهران للامتثال.
وبين رهان واشنطن على الدبلوماسية المباشرة وتمسك طهران بخطوطها الحمراء في ملفي الصواريخ والملاحة، يبقى مضيق هرمز هو الساحة الأكثر سخونة، حيث أعلنت إيران تعذر إعادة حركة المرور فيه إلى طبيعتها في ظل ما وصفته بـ"الوضع الشبيه بالحرب" والتهديدات الأمريكية المستمرة للسفن الإيرانية، مما يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان، بانتظار ما ستسفر عنه الساعات المقبلة في إسلام آباد ومياه الخليج.