مع حلول الذكرى الثالثة لاندلاع حرب السودان، تتقاطع القراءات العسكرية مع المواقف الأممية ورؤى الإعلام السوداني لرسم صورة شاملة لصراع لم يعد شأنًا داخليًا، ففي تصريحات خاصة لموقع قناة "القاهرة الإخبارية"، يقدم اللواء مهندس ركن أمين إسماعيل مجذوب، الخبير العسكري والإستراتيجي، تشريحًا لمسار المعركة، فيما يكشف نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة فرحان حق، موقف المنظمة الدولية من مؤتمر برلين الأخير، ويفتح الصحفي السوداني مجدي عبد العزيز ملف التغطية الإعلامية طوال ثلاث سنوات من الحرب.
تحولات ميدانية متسارعة
يقول اللواء أمين مجذوب إن الحرب في بدايتها عام 2023 كانت حرب مدن بامتياز، بعد أن تمردت ميليشيا الدعم السريع وحاصرت الوحدات الحكومية والعسكرية داخل الخرطوم وعددًا من المطارات.
ويوضح أن القوات المسلحة السودانية اعتمدت إستراتيجية طويلة المدى قوامها تأمين المواطن أولًا، ثم حماية الممتلكات، وصولًا إلى استعادة المناطق المفقودة، وهو ما استغرق نحو عام كامل حتى تم تأمين ولاية الخرطوم بوصفها العاصمة القومية، ثم باقي المناطق.
ومع مطلع 2025، تحول الصراع إلى حرب مفتوحة في الصحاري والمناطق الجبلية، إذ وظّف الجيش خبرته التاريخية الطويلة لتحقيق انتصارات واسعة في جنوب كردفان وشرقها وغربها، مع تعدد المحاور التي انتشرت فيها القوات.
ثلاث إستراتيجيات صنعت الفارق
يرصد الخبير العسكري ثلاث إستراتيجيات رئيسية، تتمثل الأولى في العمليات المشتركة بين القوات الجوية والبرية، التي نالت تقدير الخبراء العسكريين دوليًا؛ بفضل دقة التخطيط وتناسق التنفيذ في عمليات الإسناد والتجريد الجوي، وكانت شاهدًا على تحرير مناطق واسعة.
أما الثانية فهي إستراتيجية القواعد المتحركة، إذ لا تبقى القوات في منطقة واحدة، بل تنتقل بعد تطهيرها لملاحقة العدو، وهو ما ألحق خسائر فادحة بميليشيا الدعم السريع التي تعتمد على الحرب الجوالة.
وتأتي الثالثة عبر الحرب اللاتماثلية وتحديدًا حرب المُسيّرات، إذ استثمر الجيش تحالفاته الخارجية لاستيراد وتصنيع طائرات بدون طيار بمواصفات متقدمة.
مسؤولية عسكرية وسياسية
ويشير مجذوب إلى أن الجيش السوداني يحمل اليوم مسؤولية مضاعفة، عسكرية تتمثل في تأمين الحدود وحماية مقدرات الدولة والشعب، وأخرى سياسية دأب عليها منذ الاستقلال عبر المشاركة في إدارة الدولة.
ويلفت إلى أن المكون العسكري يتولى اليوم السلطة عبر مجلس السيادة الذي يرأسه القائد العام، وسط تقدير محلي وإقليمي ودولي، إلى جانب ضباط أكفاء يشغلون مناصب الولاة والوزراء، في ما يصفه بـ"صمام أمان للدولة".
ويرى أن الجيش استطاع رغم تعقيدات الحرب وكثرة الدول الداعمة للميليشيا أن يحافظ على الدولة ومؤسساتها وحدودها، بل وأسهم في الاقتصاد الإقليمي والعالمي عبر استمرار المشاريع الزراعية والحيوانية، وهو ما يعده إنجازًا موازيًا للإنجاز العسكري.
على طاولة البيت الأبيض
يتتبع الخبير العسكري التحولات الإستراتيجية للصراع، بدءًا من انتقاله من نزاع داخلي إلى أزمة إقليمية عبر تدخل دول مجاورة، سواء بشكل مباشر بتوفير المطارات والمستشفيات لعلاج جرحى الميليشيا وسلاسل الإمداد عبر الحدود، أو بشكل غير مباشر بالسماح للمرتزقة بالعبور عبر دول متاخمة لجنوب النيل الأزرق.
ثم اتسع الملف ليأخذ بُعدًا عالميًا بدخوله إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وصدور عقوبات بحق مسؤولين من الطرفين.
ويُضيف أن الملف انتقل إلى البيت الأبيض تحت إشراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا، بينما تقود جمهورية مصر العربية برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، مبادرة بارزة تحظى بشراكة وثيقة من ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان، في ظل مبادرات أخرى عبر الرباعية و"إيجاد" والاتحاد الإفريقي، بما يعكس أهمية موقع السودان وموارده التي تعتمد عليها خمس دول حبيسة من أصل ستة مجاورة.
سيناريوهات النهاية
يضع اللواء مجذوب ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب، إذ يمنح السيناريو الأول، وهو توقف الصراع عبر انتصار الجيش، احتمالية 50%، فيما يحظى سيناريو التفاوض المفضي إلى هدنة ثم وقف لإطلاق النار وعملية سياسية بنسبة 40%. أما التدخل الدولي لفرض السلام فيبقى ضعيفًا؛ في ظل انشغال القوى الكبرى بالحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الأمريكية الإيرانية، ولا تتجاوز احتماليته 10%.
الأمم المتحدة تراهن على الزخم
على الصعيد الأممي، رحب فرحان حق بانعقاد مؤتمر السودان الدولي في برلين بالتزامن مع الذكرى الثالثة للحرب، مُثمِّنًا القيادة التي أبدتها ألمانيا والاتحاد الأوروبي وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي في استضافته.
وأكد أن التعهدات الإنسانية الكبيرة والإرادة الجماعية للدول الأعضاء لتأمين تسوية سلمية تبعث على التفاؤل، مشيدًا بالدعوة المشتركة للتهدئة ووقف الحرب التي أطلقها فاعلون سودانيون بارزون، واعتبر قدرتهم على تجاوز خلافاتهم والتحدث بصوت موحَّد "إشارة قوية وخطوة مهمة إلى الأمام".
وشدد على التزام الأمم المتحدة بمواصلة العمل مع شركائها في "الخماسية"، الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي و"إيجاد" وجامعة الدول العربية، لمرافقة أصحاب المصلحة السودانيين في البناء على هذا الزخم.
وفيما يتصل بتطور المقاربة الأممية للملف الإنساني، كشف أن المبعوث بيكا هافيستو يعمل مع الأطراف والدول المعنية والاتحاد الإفريقي و"إيجاد" للتوصل إلى حل، مضيفًا أن الشعب السوداني "انتظر طويلًا بما يكفي".
معركة السرديات
في الشق الإعلامي، يرى الصحفي مجدي عبد العزيز أن التغطية الدولية للحرب السودانية تطورت شكليًا خلال ثلاث سنوات، لكنها لم تبلغ بعد مستوى الإنصاف الموضوعي الكامل.
ويوضح أن السرديات المختزلة طغت في البدايات وقدمت ما يجري كصراع على السلطة بين جنرالين، متجاهلةً طبيعته كعدوان صارخ في إطار "تموضع جيواستراتيجي"، ومتغافلةً عن الانتهاكات التي طالت الأفراد والدولة والمجتمع.
ويضيف أن التحسن جاء جزئيًا مع اتساع التقارير الدولية والشهادات الميدانية وظهور أصوات سودانية على المنصات العالمية، غير أن الرواية الوطنية الشاملة ظلت أقل حضورًا مقابل تركيز واسع على البُعد الإنساني بمعزل عن السياق السياسي والسيادي.
ويؤكد عبد العزيز أن دور الصحفي السوداني برز في اللحظات التي تطلبت شهادة مباشرة من قلب الحدث، خاصة في توثيق انتهاكات الميليشيا المتمردة ضد المدنيين داخل المدن والأحياء البعيدة عن عدسات الإعلام الدولي، فكان "حارسًا للوقائع والذاكرة الوطنية"، ومُصحِحًا لسرديات مضللة ساوت أحيانًا بين المعتدي والضحية.
ويختم برسالة إلى الرأي العام العربي والدولي في هذه الذكرى الثالثة، مفادها أن ما يجري في السودان ليس أزمة عابرة بل "اختبار وجودي قاسٍ" لوطن بأكمله، وأن المطلوب ليس التعاطف وحده بل الفهم العميق والإنصاف الحقيقي، ومنح الرواية السودانية مساحتها المستحقة بعيدًا عن التفسيرات الخارجية المصنوعة.