كشفت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، استنادًا إلى وثائق عسكرية إيرانية مسرَّبة، عن أن الحرس الثوري الإيراني حصل سرًا على قمر صناعي للتجسس من تصنيع صيني، ووظفه في مراقبة قواعد عسكرية أمريكية وبنية تحتية خليجية حيوية خلال الحرب الأخيرة، في سابقة تكشف عمق التعاون العسكري بين طهران وبكين وتُعيد رسم صورة الاستخبارات في المنطقة.
صفقة سرية بـ36 مليون دولار
وفقًا للوثائق التي اطلعت عليها "فاينانشال تايمز"، أبرمت قوة الفضاء التابعة للحرس الثوري في سبتمبر 2024 اتفاقية سرية بقيمة نحو 250 مليون يوان صيني، بما يعادل 36 مليون دولار، للاستحواذ على القمر الصناعي المعروف بـ"TEE01B"، وهو من تصنيع وإطلاق شركة "إيرث آي" الصينية، التي تعمل وفق نموذج تجاري غير مألوف يُعرف بـ"التسليم في المدار"، إذ تُطلق الأقمار من الأراضي الصينية ثم تنقل ملكيتها إلى العملاء الأجانب بعد وصولها إلى مداراتها.
وتكشف الوثائق أن عقد الصفقة، الذي وقعه عميد في الحرس الثوري، يتضمن تكاليف القمر ومنظومة إطلاقه والدعم التقني وخدمات البيانات المقدمة من "طرف أجنبي".
عيون في الفضاء
لا تقتصر خطورة هذا القمر على امتلاكه، بل تتجلى في التوظيف العملياتي الفعلي الذي وثقته "فاينانشال تايمز" من خلال قوائم إحداثيات مؤرخة وصور فضائية وتحليلات مدارية، إذ وجَّه قادة الحرس الثوري القمر لمراقبة منشآت عسكرية أمريكية في مارس الماضي، قُبيل الضربات الصاروخية وبعدها مباشرة.
وأكدت الباحثة نيكول جراجيفسكي، المتخصصة في الشأن الإيراني بجامعة "سيانس بو"، لصحيفة "فاينانشال تايمز"، أن "هذا القمر يعمل لأغراض عسكرية واضحة لكونه خاضعًا لقوة الفضاء في الحرس الثوري لا للبرنامج الفضائي المدني الإيراني"، مضيفةً أنه "يُتيح للحرس الثوري تحديد الأهداف مسبقًا والتحقق من نجاح ضرباته".
وكشفت الوثائق أن القمر رصد قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية في الفترة من 13 إلى 15 مارس، وهو التوقيت ذاته الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تضرر خمس طائرات تزويد بالوقود أمريكية في القاعدة.
كما امتدت عمليات المراقبة لتشمل قاعدة موافق السلطي في الأردن، ومنطقة الأسطول الخامس الأمريكي في المنامة بالبحرين، ومطار أربيل في العراق، فضلًا عن قواعد كامب بورينج وعلي السالم في الكويت، وقاعدة كامب ليمونييه الأمريكية في جيبوتي، ومطار الدقم الدولي في عُمان.
ولم تقتصر المراقبة على المنشآت العسكرية، إذ شملت بنية تحتية مدنية حيوية في منطقة الخليج.
دقة فائقة تتفوق على القدرات الإيرانية بأشواط
يتميز القمر TEE01B بدقة تصوير تبلغ نصف متر، ما يُتيح تحديد الطائرات والمركبات ورصد أي تغييرات في البنية التحتية، ما يمثل ذلك قفزة نوعية هائلة قياسًا بأحدث الأقمار الإيرانية المحلية، إذ لا تتجاوز دقة قمر "نور 3" خمسة أمتار، وهي أفضل من سلفه "نور2" الذي تتراوح دقته بين 12 و15 مترًا، غير أنها تظل أدنى بمرتبة كاملة من القمر الصيني وغير كافية لرصد الطائرات أو متابعة النشاط في القواعد العسكرية.
وأكد جيم لامسون، المحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية"سي أي أيه" والباحث في مركز جيمس مارتن لدراسات عدم الانتشار النووي، لصحيفة "فاينانشال تايمز" أن القمر يمثل أيضًا "إستراتيجية توزيع لأصول الفضاء الإيرانية"، موضحًا أن محطات الأقمار الأرضية الإيرانية تعرضت للاستهداف في 2025 و2026، في حين يتعذر استهداف محطة أرضية صينية في دولة أخرى.