صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المواجهة مع إيران بشكلٍ حادّ اليوم الأحد، معلناً عن خططٍ لفرض حصار بحري على مضيق هرمز بعد انتهاء محادثات وقف إطلاق النار الماراثونية دون التوصل إلى اتفاق.
وبعد أكثر من 21 ساعة من المفاوضات في إسلام آباد، باكستان، بمشاركة مسؤولين أمريكيين وإيرانيين وباكستانيين، أكّد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، صباح اليوم الأحد، انتهاء المحادثات دون التوصل إلى اتفاقٍ لإعادة فتح المضيق أو تمديد الهدنة الهشّة في القتال.
صعوبة حصار هرمز
وبعد ساعاتٍ من انتهاء المحادثات، نشر ترامب على وسائل التواصل الاجتماعيّ أنه أصدر تعليماتٍ للبحرية الأمريكية بفرض حصارٍ على "جميع السفن التي تحاول دخول أو مغادرة مضيق هرمز"، واعتراض السفن في المياه الدولية التي دفعت ما وصفه بـ"رسومٍ غير قانونية" لإيران.
يقول خبراء عسكريون ومحللون بحريون إن فرض حصار بحري على إيران سيكون بالغ الصعوبة، إذ يُعدّ الحصار البحري على إيران من أهم الإجراءات العسكرية الأمريكية، إذ قد يختبر هذا الحصار قدرة الولايات المتحدة على التغلب على نهج إيران غير المتكافئ، المصمم ليس لهزيمة القوات الأمريكية مباشرة، بل لجعل الملاحة البحرية محفوفة بالمخاطر لدرجة تُبطئ حركة الملاحة أو توقفها تلقائيًا، بحسب "نيوزويك".
قوتان بحريتان لإيران
يقول مسؤولون عسكريون أمريكيون ومحللون مستقلون إن الضربات الأمريكية دمرت إلى حد كبير الأسطول الإيراني التقليدي، حيث أغرقت أو عطّلت معظم سفنها الحربية السطحية الكبيرة، وحتى غواصة عابرة للمحيطات، لكن المحللين يؤكدون أن هذه السفن ليست الأدوات الرئيسية لإيران للسيطرة على مضيق هرمز.
تمتلك إيران قوتين بحريتين: البحرية النظامية والبحرية التابعة للحرس الثوري، والأولى التي تستخدم سفنًا أكبر حجمًا، غالبًا لأغراض استعراض القوة والمهام بعيدة المدى.
أما بحرية الحرس الثوري، فهي مصممة للعمل في المياه الضيقة للخليج العربي ومضيق هرمز، وتعتمد على زوارق الهجوم السريع، وزوارق الصواريخ، وكاسحات الألغام، والطائرات المسيّرة.
من جانبه صرّح فرزين نديمي، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، بأن أكثر من 60% من زوارق الهجوم السريع وزوارق الحرس الثوري لا تزال سليمة رغم أسابيع من الضربات الأمريكية، وأضاف أن هذه السفن لا تزال تشكّل تهديدًا خطيرًا للملاحة البحرية.
الجغرافيا تخدم إيران
كما تصب الجغرافيا في مصلحة إيران، إذ يبلغ عرض مضيق هرمز في أضيق نقطة له نحو 20 ميلًا فقط، ما يسهّل على إيران اتباع تكتيكاتها غير المتكافئة، كما يصعب رصد زوارق الحرس الثوري الإيراني الصغيرة مقارنةً بالسفن الحربية الكبيرة، ويمكن إخفاؤها في أحواض ساحلية تحت الأرض أو بين سفن الصيد المدنية.
إضافةً إلى ذلك، تستطيع إيران تهديد الملاحة البحرية من البر، باستخدام صواريخ مضادة للسفن محمولة على شاحنات ومواقع إطلاق ساحلية تُطل على ممرات عبور رئيسية، ما يسمح لها باستهداف السفن دون الحاجة إلى نشر أي سفن.
يتطلب الحفاظ على سيطرة دائمة على المياه القريبة من السواحل الإيرانية موارد أمريكية ضخمة ومستدامة، وحتى مع ذلك، سيبقى المجال مفتوحًا للمضايقات والهجمات المفاجئة.
لغز الألغام البحرية
كما تُعدّ الألغام البحرية من بين أكثر أدوات إيران فعاليةً وأصعبها مواجهةً، ويُعتقد أن طهران تمتلك آلاف الألغام التي يمكن زرعها سرًا باستخدام زوارق صغيرة أو قوارب صيد.
وفي وقت سابق حذّرت إيران السفن من ضرورة استشارة الحرس الثوري بشأن الطرق الآمنة عبر المضيق، وهي خطوة فسّرها المحللون على نطاق واسع كإشارة إلى احتمال زرع ألغام.
وتعد عملية إزالة الألغام عملية بطيئة وخطيرة، وقد تُزرع ألغام جديدة بوتيرة أسرع من إزالة الألغام القديمة، بالنسبة لشركات الشحن وشركات التأمين، غالباً ما يكون هذا الخطر وحده كافيًا لتعليق العمليات.
المسيّرات المائية
لجأت إيران بشكل متزايد إلى استخدام المسيّرة المائية، وهي عبارة عن قوارب غير مأهولة محملة بالمتفجرات قادرة على ضرب ناقلات النفط والمنشآت المينائية.
وقد وثّقت شركات الأمن البحري العديد من الهجمات الأخيرة باستخدام هذه الأنظمة، ما يعكس التكتيكات التي استخدمتها قوات الحوثيين المدعومة من إيران في البحر الأحمر.
سبق أن صرّح مسؤولون أمنيون أمريكيون وحلفاؤهم بأن طهران هي من زوّدت تلك الطائرات المسيّرة بالتكنولوجيا، وتزيد القدرة على مهاجمة السفن عن بُعد من تعقيد أي محاولة لفرض حصار.
تكتيكات غير متكافئة
تكمن إحدى نقاط الضعف الرئيسية في فكرة الحصار في أن إيران لا تحتاج إلى كسب معركة بحرية، بل يكفيها جعل الملاحة البحرية غير آمنة بما يكفي لإبطاء حركة المرور أو إيقافها.
بفضل الطائرات المسيّرة والألغام والزوارق السريعة والصواريخ الأرضية، تستطيع إيران مواصلة تعطيل التجارة حتى بعد فقدانها معظم سفنها الكبيرة، وصرح نائب الأدميرال المتقاعد روبرت هاروارد، نائب القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، لوول ستريت جورنال، بأنه على الرغم من أن إيران ربما تكون قد فقدت الجزء الأكبر من قدراتها البحرية، إلا أن "النسبة المتبقية البالغة 10% هي الجزء الأصعب".
لقد تشكلت العقيدة البحرية الإيرانية من خلال التجربة، فبعد أن دمرت القوات الأمريكية جزءاً كبيراً من أسطولها خلال معركة استمرت يوماً واحداً في أبريل 1988، تخلت طهران عن أي محاولة لمنافسة السفن.
وبدلاً من ذلك، أعادت بناء أسطولها حول تكتيكات غير متكافئة تهدف إلى السيطرة على الشحن التجاري، وهو ما يمثل نقطة الضعف الأهم بالنسبة للقوى العالمية.