قال سفير العراق الأسبق لدى القاهرة، نبيل نجم، إنه يرحّب بأي لقاء عربي عربي، خاصة إذا قام على أُطر سليمة ورؤية مستقبلية واضحة للعلاقات بين الدول العربية.
وأضاف نجم، خلال لقاء مع الكاتب الصحفي والإعلامي سمير عمر في برنامج "الجلسة سرية"، على قناة "القاهرة الإخبارية"، أنه كان سعيدًا بخطوة تأسيس مجلس التعاون العربي؛ رغم ما أُثير حولها من تساؤلات، لا سيما ما يتعلق بكونها ردًا على نجاح تجارب إقليمية أخرى مثل مجلس التعاون لدول الخليج العربية أو مجلس التعاون المغاربي.
وأوضح سفير العراق الأسبق لدى القاهرة، أن الهدف من إنشاء المجلس كان وضع أُطر للتعاون تشمل الجوانب الاقتصادية والقانونية والاجتماعية، وتعزيزها باتفاقيات تدعم التكامل بين الدول الأعضاء، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن بعض الاتفاقيات التي وُقِّعت آنذاك افتقرت إلى العمق، وجاءت مكررة دون تحقيق تقدم ملموس.
وفيما يتعلق بالآراء التي ربطت المجلس بتحركات عراقية سابقة تجاه الكويت، نفى "نجم" ذلك، مؤكدًا أن العلاقات بين العراق والكويت كانت قوية في تلك الفترة، قبل أن تتعرض لتدخلات خارجية ساهمت في توتيرها، مشيرًا إلى أنه تناول في كتابه "في مرمى النيران" ما وصفه بخطط أمريكية استهدفت الإضرار بالعلاقات العراقية الكويتية، معتبرًا أن تلك التدخلات لعبت دورًا في تعقيد المشهد الإقليمي.
كما لفت إلى أن الولايات المتحدة كانت مستفيدة من استمرار الحرب العراقية الإيرانية، إذ أسهمت -وفق تقديره- في إطالة أمد الصراع بما أدى إلى إنهاك الطرفين.
وذكر أن الولايات المتحدة سعت إلى إضعاف العراق خلال فترة حكم الرئيس صدام حسين عبر إجراءات غير مباشرة، من بينها التأثير على مواقف بعض الدول الخليجية، ومنها الكويت، والضغط لعدم الوفاء ببعض الالتزامات تجاه العراق، بما أسهم في توتير العلاقات بين بغداد والكويت.
تصدير الثورة
وفي سياق متصل، أشار "نجم" إلى ما عُرف بقضية "إيران–كونترا"، لافتًا إلى أن إيران، رغم عدائها المعلن لإسرائيل، وافقت في تلك الفترة على الحصول على أسلحة بوساطات غير مباشرة.
وأوضح أن فكرة "تصدير الثورة"، التي تبنّتها إيران عقب ثورة عام 1979، كانت عنصرًا أساسيًا في تحركاتها السياسية، إذ سعت إلى توسيع نفوذها في عدد من الدول.
وأشار إلى أن هذا التوجه تجلّى في محاولات بناء مراكز نفوذ وقوة في أكثر من ساحة، من خلال دعم جماعات وتشكيلات مختلفة في بعض الدول، بهدف تعزيز حضورها الإقليمي.
ونوه سفير العراق الأسبق لدى القاهرة إلى أنه كانت هناك مخاوف عراقية خلال فترة حكم الرئيس صدام حسين من تنامي النفوذ الإيراني في القارة الإفريقية، موضحًا أن هذا الملف كان محل نقاش بين الجانبين العراقي والمصري، وأوفد الرئيس العراقي مسؤول الدائرة الإفريقية في وزارة الخارجية إلى القاهرة، وعُقدت عدة اجتماعات في وزارة الخارجية المصرية لبحث سبل مواجهة هذا التغلغل.
وأوضح أن هذه اللقاءات أسفرت عن تصور للتعامل مع النفوذ الإيراني في إفريقيا، تمثل في دعم أنشطة دينية وتعليمية، من خلال اختيار عدد من علماء الأزهر، إلى جانب توفير دعم حكومي، بهدف تعزيز الحضور العربي ومواجهة الامتداد الإيراني.
وأشار إلى أن هذا التوجه، رغم طابعه الديني، لم يكن بعيدًا عن الأهداف السياسية، إذ ارتبط بمحاولة الحد من النفوذ الإيراني وتعزيز التوازن الإقليمي، موضحًا أن العراق كان يرى في مصر شريكًا أساسيًا في هذا الملف، نظرًا لقربها الجغرافي من إفريقيا، فضلًا عن دور الأزهر وخبرته في إرسال بعثات تعليمية ودعوية إلى دول القارة.
وقال "نجم" إن مسألة "تصدير الثورة" وفق المفهوم الإيراني لا يمكن الحكم عليها بشكل قاطع بالنجاح أو الفشل، إلا أن الوسائل التي اتُّبعت كان لها تأثير واضح في بعض المجتمعات العربية.
وأضاف أن هذه الوسائل شملت استقطاب فئات معينة ماديًا ومعنويًا، وتنظيم بعثات إلى إيران، إلى جانب توفير فرص للدراسة، وهو ما أسهم في تكوين دوائر نفوذ مرتبطة بهذا التوجه، مشيرًا إلى أن الظروف الحالية تختلف كثيرًا عما كانت عليه في السابق.
وذكر أن هذا النفوذ تمدد في عدد من العواصم العربية، من بينها صنعاء وبغداد وبيروت ودمشق، بدرجات متفاوتة، وفقًا للسياقات المحلية في كل دولة.
وفيما يتعلق بكيفية تعامل العراق مع هذه الأذرع داخل أراضيه، أشار "نجم" إلى أن المواجهة تمت عبر دعم بعض رجال الدين المعتدلين، بمن فيهم شخصيات من الطائفة الشيعية، ممن يركزون على البعد الفكري والديني بعيدًا عن التسييس.
وبيّن أن الطرح الفكري بطبيعته يصعب مواجهته بالأساليب التقليدية، إلا أنه اتهم أطرافًا إيرانية بتحويل هذا النشاط من إطار فكري إلى أدوات أكثر صلابة، مثل التسليح والسعي للهيمنة وبسط النفوذ على الشارع.
استطرد أن هذا النمط من النفوذ يظهر في بعض الدول، حيث تمتلك قوى غير حكومية تأثيرًا يتجاوز أحيانًا مؤسسات الدولة، سواء من خلال قدرتها على الحشد الشعبي أو التأثير في القرار السياسي، كما هو الحال في بعض الساحات الإقليمية.
ويرى "نجم" أن تقييمه للتحركات الإيرانية تجاه دول الخليج يختلف عن التجربة السابقة مع العراق في أعقاب الثورة الإيرانية، مشيرًا إلى أن طهران تتعامل بأساليب متشابهة في عدد من الساحات الإقليمية.
وواصل أن إيران تمتلك أدوات نفوذ داخل بعض الدول، من بينها الجاليات والمصالح الاقتصادية، معتبرًا أنها استفادت لسنوات من علاقاتها التجارية مع دول الخليج، قبل أن تدخل في مسار تصعيدي معها حاليًا، وهو ما وصفه بأنه "خطأ إستراتيجي".
وكشف أن دول الخليج كانت تمثل مصدرًا اقتصاديًا مهمًا لإيران، وأن توتير العلاقات معها قد ينعكس سلبًا على مصالحها، مشيرًا إلى أن السياسات الحالية قد تؤدي إلى فقدان الثقة في التعامل معها على المستوى الإقليمي.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن إيران تحاول إعادة ترتيب علاقاتها في بعض الساحات، من بينها لبنان، إلى جانب محاولات الانفتاح على أطراف أخرى في المنطقة، إلا أن حالة الشك لا تزال قائمة.
وفيما يتعلق بالشعارات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، تساءل "نجم" عن مدى انعكاسها على الواقع العملي، معتبرًا أن الإمكانات المتاحة كان يمكن توظيفها بشكل مختلف يخدم الاستقرار الإقليمي.
واستعاد "نجم" تجربة الحرب العراقية الإيرانية، مشيرًا إلى أن العراق لم يقطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران إلا في العام الأخير من الحرب، رغم استمرار القتال، لافتًا إلى أن طهران قامت بممارسات تصعيدية شملت ملاحقة دبلوماسيين والتعرض لمقار دبلوماسية.
غزو الكويت
وأوضح أن قرار الرئيس العراقي الراحل صدام حسين باحتلال الكويت عام 1990 جاء في ظل مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية المعقدة، موضحًا أن من بين هذه العوامل الخلافات مع الكويت بشأن السياسات النفطية، مشيرًا إلى أن زيادة الإنتاج النفطي آنذاك أثّرت سلبًا على أسعار النفط، وهو ما انعكس على الاقتصاد العراقي.
كما أشار إلى ملف الديون التي ترتبت على العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، حيث طالب "حسين" بإعفائها أو تقسيطها، إلا أن تلك المطالب قوبلت بالرفض، موضحا أن هذه الخلافات -رغم حدتها- لم تكن مبررًا كافيًا لاندلاع حرب أو تنفيذ غزو، مؤكدًا أن "لكل فعل رد فعل"، لكن ما حدث كان تصعيدًا كبيرًا.
وفيما يتعلق بطرح فكرة أن العراق ربما وقع في "فخ" دفعه إلى غزو الكويت، استبعد نجم هذا الطرح، مؤكدًا أن صدام حسين كان مقتنعًا بقراره، ولم يكن مدفوعًا إليه من أطراف أخرى، ووصف القرار بأنه "خطأ إستراتيجي" أسهم في تدمير العراق وألحق أضرارًا كبيرة بالمنطقة، معتبرًا أن تداعياته امتدت لسنوات طويلة، وأن ما جرى في الثاني من أغسطس 1990 كان نقطة تحول مفصلية، مهّدت لاحقًا لتطورات كبرى، من بينها ما حدث في عام 2003.
وأشار "نجم" إلى أن نقاشات داخلية جرت لاحقًا، سواء على مستوى القيادة الحزبية أو مع بعض المثقفين، لإعادة تقييم المرحلة والتعامل مع آثارها، موضحًا أن طبيعة الأحداث المتسارعة آنذاك غيّرت أولويات التفكير، وأضاف أن توجهًا برز في تلك الفترة نحو تعزيز مؤسسات الدولة، وعدم الاعتماد فقط على "البعثيين"، لافتًا إلى أن صدام حسين لم يكن يعتمد على أعضاء حزب البعث وحدهم في إدارة الدولة.
واعتبر سفير العراق الأسبق لدى القاهرة أن غزو الكويت عام 1990 شكّل خطأً إستراتيجيًا على أكثر من مستوى، سواء من الناحية السياسية أو الحزبية أو الأخلاقية، موضحًا أن حزب البعث، من حيث المبدأ، يؤمن بفكرة الوحدة العربية وتكامل الموارد بين الدول، إلا أن تحقيق ذلك لا يمكن أن يتم عبر القوة أو بهذا الأسلوب، معتبرًا أن ما جرى كان خروجًا عن هذه المبادئ.
وأوضح أن الخطأ لم يكن سياسيًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا، مشيرًا إلى أن عزت إبراهيم، نائب الرئيس العراقي الأسبق، أقرّ قبل وفاته بأن ما حدث كان خطأً، وعبّر عن أسفه وطلب الصفح بشأنه.
كما لفت إلى أن صدام حسين نفسه لم يكن يفضل الخوض في هذا الملف بعد وقوعه، موضحًا أن طبيعة شخصيته كانت تميل إلى اتخاذ قرارات حاسمة عندما يشعر بالثقة أو التفوق، حتى وإن كانت تلك القرارات محل جدل.
وكشف "نجم" عن أن قرار دخول الكويت تم دون علم عدد من القيادات العسكرية العليا، من بينهم وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش، مشيرًا إلى أن بعضهم علم بالأمر بعد وقوعه، وهو ما يعكس طبيعة اتخاذ القرار في تلك المرحلة.
الرسائل المصرية
وأكد أن تداعيات هذا القرار لم تقتصر على العراق فحسب، بل أثّرت سلبًا على منظومة العمل العربي المشترك، التي وصفها بأنها لا تزال تعاني من آثار تلك الأزمة حتى اليوم، معتبرًا أن ما حدث شكّل "كارثة".
كشف عن تعامله مع قرار العراق غزو الكويت عام 1990، قائلًا إنه بعد 4 أيام من الغزو تم استدعاؤه في مصر، لنقل الرسائل المصرية الرسمية الرافضة لهذه الخطوة.
وذكر أن أول اتصال رسمي جرى في 6 أغسطس في برج العرب، حيث أُخبر بوجود طائرة في القاهرة لنقله إلى الرئاسة المصرية، حاملًا الوثائق والرسائل المهمة، ليتواصل مباشرة مع بغداد بشأن تحذيرات القاهرة من تبعات الغزو.
وأشار نجم إلى أن الطائرة كانت جاهزة في أجواء القاهرة لنقله إلى بغداد، وأنه أُبلغ لاحقًا بأن عزت إبراهيم سيصل القاهرة في اليوم التالي، وأنه سيذهب معه لتوصيل الرسائل، موضحًا أن الرد العراقي لم يكن واضحًا تمامًا في تلك المرحلة، ولم يُعلن رسميًا عن أي نية للانسحاب من الكويت.
وأوضح أن جهوده في تلك المرحلة كانت تركز على التعامل بمنهجية، محاولًا معالجة الشروخ العربية الناتجة عن الأزمة، ومشيرًا إلى أنه كان يواجه ضغوطًا كبيرة في تعامله مع سفراء الدول الخليجية، بالإضافة إلى متابعة التعليمات من بغداد.
وأضاف نجم أن الرئيس العراقي صدام حسين كان يتابع كل التفاصيل، وأنه أُبلغ برسائل طويلة تتعلق بالمصالحة والاعتذار، والتي كان مكلفًا بنقلها والرد عليها، مشيرًا إلى أن طارق عزيز وطه ياسين رمضان كانا جزءًا من تلك الاتصالات، وكانا يطلعان على الرسائل والردود قبل وصولها للرئيس.
وأكد نجم أنه شارك أيضًا في جهود وساطة مباشرة، حينما أرسلت مصر مبعوث للتحدث مع القيادة العراقية بشأن المصالحة، حيث سافر إلى الأردن ومن هناك تم الترتيب للقاء مع صدام حسين حيث أشار إلى حوارات مباشرة وصريحة حول الموقف العربي، بما في ذلك التفاهم على القضايا المتعلقة بالمحتجزين الكويتيين والمصريين.
قال "نجم" إن بناء العلاقة الشخصية بين القادة العرب يلعب دورًا مهمًا في التأثير على القرارات السياسية، إلا أن مشكلة الثقة كانت محور الخلاف في أزمة غزو الكويت، حيث فقدت بغداد الثقة مع عدد من الدول العربية حتى قبل الغزو، ما أضعف العلاقات.
وأوضح أن جهوده كممثل للعراق في جامعة الدول العربية ركزت على ترميم هذه العلاقات، مؤكدًا أن الهدف الأساسي كان تعزيز الثقة وإعادة بناء الجسور مع الدول العربية، لا سيما مصر، قائلًا إنه بعد وصوله إلى القاهرة حرص على التواصل مع المسؤولين المصريين، حيث رٌحب به وطُلب منه أن يمارس دوره الجديد كمندوب العراق في الجامعة العربية بنفس الامتيازات والحصانة التي اتسم بها عمله كسفير للعراق في مصر.
وأشار "نجم" إلى أن هذه الخطوة كانت جزءًا من مساعي العراق لإعادة العلاقات العراقية المصرية إلى مسارها الطبيعي.