في ظل تسارع وتيرة الحياة وتغير عادات المشاهدة، بدأ عدد من صُنّاع الدراما في مصر الاتجاه نحو تقديم شكل جديد من الأعمال الدرامية يُعرف بـ"المايكرو دراما"، مسلسلات قصيرة جدًا تحاول مواكبة الجمهور الذي بات يُفضل المحتوى السريع عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
هذا الاتجاه، الذي حقق نجاحًا ملحوظًا في عدد من دول العالم، وجد طريقه إلى الدراما المصرية، مدعومًا بالتطور التكنولوجي وانتشار المشاهدة عبر الهواتف الذكية، إذ تُعرض هذه الأعمال بشكل أساسي على المنصات الرقمية، ما يمنحها مساحة أكبر للوصول إلى جمهور أوسع، خاصة من فئة الشباب.
وتستعد منصة "واتشات" لطرح أعمالها الأصلية الجديدة ضمن تجربة "المايكرو دراما"، في خطوة تعكس توجهًا واضحًا نحو تنويع المحتوى ومواكبة أحدث الاتجاهات العالمية في صناعة الدراما.
كما يُعد مسلسل "ابن الشركة" من أبرز الأعمال المنتظرة، إذ يجمع بين الدراما والمواقف الاجتماعية والكوميديا، في تجربة مختلفة على مستوى الكتابة والإخراج، تأليف أحمد عبدالستار وإخراج ضياء حبيب، ويضم نخبة من النجوم إلى جانب وجوه جديدة، في إطار يراهن على خفة الإيقاع وسرعة الأحداث.
ويأتي مسلسل "قلب مفتوح" ضمن الأعمال التي تعتمد على عنصر الغموض والتشويق، مع إبراز عدد من المواهب الشابة، إذ يخوض كريم أدريانو أولى بطولاته، إلى جانب الفنانة الصاعدة ريم رأفت، في عمل يتناول جرائم قتل وعلاقات معقدة تتصاعد دراميًا في حلقات قصيرة ومكثفة.
يمثل مسلسلا "ابن الشركة" و"قلب مفتوح" أولى إنتاجات المتحدة في مجال المايكرو دراما، بعد الانتهاء من تصويرهما مؤخرًا، على أن يبدأ عرضهما خلال أسبوع من الشهر الجاري.
وعلم موقع "القاهرة الإخبارية"، أن كل مسلسل منهم يتكون من 60 حلقة، تتراوح مدة الحلقة الواحدة بين دقيقة ونصف وثلاث دقائق، مع الاعتماد على تكثيف الأحداث وتقديم ذروة درامية سريعة داخل كل حلقة، كما أن العمل يدور حول جريمة قتل وقصة حب حيث تتشابك الخيوط ويخوض أبطاله مفارقات خلال الأحداث.
"غرفة التحقيق"
وعلى صعيد آخر، انتهى صُنّاع مسلسل "غرفة التحقيق" من تصوير العمل، نهاية العام الماضي، إلا أنه لم يطرح بعد، بطولة عمر السعيد وإلهام وجدي وتميم عبده ومحمد نشأت، تأليف شادي عبدالله وإخراج عمرو قورة، وينتمي إلى نوعية الأعمال التشويقية.
يأتي انتشار هذا النمط حول العالم في إطار التطور السريع في صناعة المحتوى عالميًا، إذ تُعد هذه النوعية من الأعمال من أسرع الأسواق نموًا، نظرًا لقدرتها على التكيف مع عادات المشاهدة الجديدة التي تميل إلى السرعة والتركيز.
طارق الشناوي: مغامرة إبداعية والفيصل المحتوى لا الزمن
يرى الناقد الفني طارق الشناوي، أن الاتجاه نحو تقديم مسلسلات "المايكرو دراما" لا يمكن الحكم عليه من زاوية مدة توقيته فقط، مؤكدًا أن العامل الحاسم في نجاح أي عمل فني يظل مرتبطًا بجودة المحتوى، وليس بمدته الزمنية.
وفي حديثه لموقع "القاهرة الإخبارية"، أوضح الشناوي أن العلاقة بين الوقت والمحتوى "حتمية لكنها غير مطلقة"، مشيرًا إلى أن الأعمال الفنية يمكن أن تتراوح مدتها بين ثوانٍ معدودة وساعات طويلة، دون أن يكون ذلك معيارًا مباشرًا للحكم عليها، وضرب مثالًا بالسينما العالمية التي تضم أفلامًا قصيرة لا تتجاوز 30 ثانية، وأخرى طويلة قد تمتد لساعات عديدة، كما حدث في أحد المهرجانات الدولية، الذي عرض فيلمًا بلغت مدته نحو 9 ساعات.
وأكد الشناوي أن المقياس الزمني لا يقدم دلالة حاسمة على جودة العمل، موضحًا أن الأمر يشبه الأدب، إذ نجد القصة القصيرة التي تُكتب في فقرة واحدة، وأخرى تمتد لعدة صفحات، إلى جانب الروايات الطويلة، وجميعها أشكال فنية مختلفة يحكمها الإبداع وليس الحجم.
وأضاف أن نجاح المايكرو دراما يتطلب مهارة خاصة في الكتابة، إذ تعتمد على تكثيف الفكرة وتقديم ذروة درامية سريعة خلال وقت محدود، ما يُمثل تحديًا كبيرًا أمام الكُتاب، رغم أنه ليس مستحيلًا.
مساحة أكبر للمغامرة
وأشار الشناوي إلى أن هذا النوع من الأعمال يمنح صُنّاعه مساحة أكبر للمغامرة، نظرًا لانخفاض تكلفته الإنتاجية مقارنة بالأعمال الطويلة، ما يسمح بتجربة أفكار جديدة وتقديم وجوه شابة.
وقال إن المخاطرة هنا تصبح جزءًا من جمال العملية الإبداعية، إذ يمكن المجازفة في عمل مدته 3 دقائق، ما يصعب تحقيقه في مشروع درامي يمتد لعشرات الساعات.
ولفت إلى أن فكرة تنوع الأشكال الدرامية ليست جديدة على المشاهد المصري، مذكرًا ببدايات التلفزيون التي شهدت تقديم "السهرة" إلى جانب الأعمال الثلاثية والخماسية والسباعية، ما يعكس مرونة في تقديم المحتوى وفقًا لطبيعته.
وأوضح أن انتشار المايكرو دراما يضع مسؤولية كبيرة على عاتق الكُتاب، الذين أصبحوا مطالبين بابتكار أفكار مركزة وجذابة، قادرة على شد انتباه الجمهور في زمن قصير، مع الحفاظ على عناصر التشويق وبناء الذروة الدرامية داخل كل حلقة.
ماجدة موريس: تواكب العصر ولن تزيح الدراما التقليدية
وصفت الناقدة الفنية ماجدة موريس، تجربة "المايكرو دراما" بأنها خطوة جديدة ومهمة في مسار الإنتاج الدرامي، مؤكدة أنها تأتي في سياق السباق العالمي نحو السرعة وتقليل مدة الأعمال الفنية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أنها لن تكون البديل الكامل للدراما التقليدية.
وفي حديثها لموقع "القاهرة الإخبارية"، أوضحت موريس أن المسلسلات الطويلة لا تزال تحتفظ بمكانتها الأساسية في صناعة الدراما، قائلة إن هذه التجربة قد تحقق نجاحًا، لكنها لن تصل إلى الطموحات الكبيرة التي يتطلع إليها بعض المنتجين لإلغاء نوعية الدراما الطويلة أو القصيرة، خاصة في ظل اختلاف طبيعة التلقي لدى الجمهور.
وأضافت أن التجريب في حد ذاته أمر ضروري داخل العملية الفنية، لأنه يفتح المجال لاكتشاف أشكال وأساليب جديدة، لكنه يحمل في طياته مميزات وسلبيات في آن واحد، مشيرة إلى أن طبيعة "المايكرو دراما"، التي تتراوح مدتها بين دقيقة ونصف وثلاث دقائق، لا تناسب كل المشاهدين، بل تستهدف شريحة محددة فقط.
ولفتت إلى مفارقة، أن تترات بعض المسلسلات التقليدية قد تستغرق وقتًا أطول من حلقة كاملة من المايكرو دراما، معتبرة أن ذلك يعكس اختلافًا كبيرًا في بنية السرد وعمق المحتوى.
وأكدت موريس أن قطاعًا واسعًا من الجمهور لا يزال يفضل الأعمال الدرامية المكتملة التي تعتمد على القصة المتماسكة، والسيناريو المتطور، والحوار العميق، وهي عناصر يصعب تحقيقها بنفس الكثافة في الأعمال القصيرة جدًا، مضيفة أن هذا النوع من الدراما لا بد أن يُقدَّم بحرفية شديدة.
وأشارت إلى أن انتشار المايكرو دراما عالميًا يرتبط أكثر بطبيعة جمهور المنصات الرقمية، الذي يميل إلى السرعة، وضربت مثالًا بتطور تفضيلات الجمهور المصري، الذي بدأ يميل إلى المسلسلات ذات الـ15 حلقة بدلًا من 30 حلقة، لكن هذا التغيير جاء تدريجيًا وعلى مدار سنوات، نتيجة إدراك المشاهد لأهمية التكثيف دون إطالة.
وأبدت تخوفها من أن تؤدي المايكرو دراما إلى تقديم قصص مبتورة أو غير مكتملة، خاصة إذا كانت الفكرة الأصلية تحتاج إلى مساحة زمنية أكبر لمعالجتها دراميًا، مؤكدة أن تحديد عدد الحلقات يجب أن يخضع لطبيعة الموضوع نفسه وليس العكس.