تجربة سينمائية إنسانية تمزج بين التوثيق الذاتي والبحث في دفاتر الماضي، من خلال تصور خاص رسمه المخرج المصري الفرنسي نُمير عبدالمسيح، في الوثائقي "الحياة بعد سهام"، الذي يعكس رحلة طويلة من التأمل في ذاكرة العائلة، والهوية، والانتماء، مستعينًا بأرشيف بصري جمعه على مدار عقود منذ كان في الـ18 من عمره، ليرصد مع كل صورة مشاعر متراكمة تشكلت عبر الزمن.
الفيلم الذي قرر مخرجه عرضه جماهيريًا في دور العرض للمرة الأولى، جاء بعد مشوار حافل من النجاح في المهرجانات المختلفة، آخرها مهرجان الجونة السينمائي الذي اقتنص فيه 3 جوائز، إذ قال لموقع "القاهرة الإخبارية"، إن عرض الفيلم جماهيريًا كان أمرًا ضروريًا لمتابعة ردود الفعل بشكل مباشر، مشيرًا إلى أنه يفضل حضور عروض أفلامه مع الجمهور، لما يمثله من أهمية في فهم التفاعل الحقيقي مع العمل.
تفاعل استثنائي
وأوضح مخرج الفيلم أن لكل جمهور خصوصيته الثقافية والانفعالية مع الأحداث، ما ينعكس على استقبال الفيلم، مشيرًا إلى أن الجمهور المصري أظهر تفاعلًا استثنائيًا مع الفيلم خلال عرضه في القاهرة، إذ سادت أجواء مختلفة مزجت الضحك والتصفيق والتفاعل الحي، ما خلق علاقة خاصة بين العمل والمشاهدين.
وأضاف أن الجمهور المصري يميل بطبيعته إلى التفاعل مع المشاهد الإنسانية والعاطفية، مستشهدًا بأحد مشاهد الفيلم الذي يروي فيه والده موقفًا رومانسيًا جمعه بوالدته داخل برج القاهرة في أثناء فترة خطوبتهما، حين انقطعت الكهرباء فاستغل الظلام ليقبلها خلسة، ما أثار ضحك الجمهور نظرًا لقرب هذه التفاصيل من واقعهم الاجتماعي، مؤكدًا أن هذا النوع من القصص يعزز شعور المشاهد بأن الفيلم يعبر عنه.
تفاصيل محرجة
وعن الدافع وراء تقديم فيلم عن عائلته، أشار "عبدالمسيح" إلى أن القرار لم يكن سهلًا، إذ تطلب مواجهة أسئلة شخصية وحساسة تتعلق بعلاقة والديه قبل الزواج، أمور يحيطها الحرج في كثير من الأحيان، موضحًا أنه كان متحفظًا بطبيعته، لكنه وجد في السينما وسيلة تمنحه الشجاعة لطرح هذه الأسئلة دون خوف، وأن صناعة الفيلم كانت بمثابة جسر للتواصل وكسر الحواجز النفسية.
وتطرق المخرج المصري إلى بداياته مع تصوير العمل، موضحًا أنه كان يوثّق لحظات عائلية منذ سن الـ19 دون هدف واضح، مدفوعًا بإحساس داخلي فقط ومع مرور الوقت، وعند مشاهدته لهذه المواد المصورة، بدأ يتساءل عن السبب الحقيقي وراء هذا التوثيق المستمر، ليكتشف لاحقًا أنه كان يبحث عن قصة، وعن معنى، ما دفعه عام 2019 لاتخاذ قرار تحويل هذا الأرشيف إلى فيلم سينمائي.
استبعاد 99% من المواد المصورة
يرى نُمير أن التحدي الأكبر في هذا النوع من الأفلام يكمن في عملية الاختيار، إذ إن ما يظهر في الفيلم لا يتجاوز 1% من إجمالي المواد المصورة، بينما يتم استبعاد 99% منها، موضحًا أن الهدف ليس عرض أفضل اللقطات، بل بناء سرد متماسك يعكس حكاية مترابطة، مشيرًا إلى أن قوة الفيلم تكمن في المونتاج، إذ يمكن لتركيب مشاهد بسيطة أن تخلق دلالات عميقة، مثل تصوير والده جالسًا على كرسي، ثم والدته على الكرسي نفسه، قبل أن ينتهي الأمر بالكرسي فارغًا، في إشارة رمزية إلى الغياب والفقد.
كما تطرق إلى بعض اللحظات المؤثرة في أثناء التصوير، خصوصًا عندما طلب منه والده التوقف عن التصوير، ما وضعه في صراع داخلي بين رغبته في استكمال الفيلم، وحرصه على مشاعر والده، مشيرًا إلى أن هذه اللحظات كانت من أصعب التحديات، لأنها تتطلب موازنة دقيقة بين الإنسانية والفن.
ولم تخلَ التجربة من مواقف عائلية كوميدية، إذ أشار إلى رفض أبنائه التصوير في بعض الأحيان، موضحًا أن ابنه كان يتوقف عن الغناء والرقص بمجرد رؤيته للكاميرا، بينما كانت ابنته ناقدة لبعض زوايا التصوير عند مشاهدتها الفيلم، ما يعكس اختلاف نظرتهم للعمل.
أفلام يوسف شاهين
وفيما يتعلق بتأثره بأفلام المخرج الراحل يوسف شاهين، أكد عبدالمسيح أن أعمال المخرج الراحل يوسف شاهين كان لها دور كبير في تشكيل رؤيته الفنية، إذ استعان ببعض مشاهد أفلامه لإضفاء بُعد درامي على الحكاية، مشيرًا إلى أن هذا الدمج أتاح له تقديم والديه وكأنهما أبطال في فيلم سينمائي، ما أضفى على العمل طابعًا فنيًا مميزًا.
ويعد فيلم "الحياة بعد سهام" ثاني أفلام نمير عبدالمسيح الوثائقية الطويلة، إذ يمتد على مدار 76 دقيقة، ويواصل من خلاله استكشاف موضوعات الاغتراب والحب والذاكرة، عبر سرد إنساني يمزج بين الواقع والخيال، مستعرضًا تاريخ عائلته الممتد بين مصر وفرنسا.
ومن المقرر أن ينطلق عرض الفيلم في دور السينما بالقاهرة، بدءًا من 8 مارس الجاري، بالتزامن مع مشاركته في عدد من المهرجانات السينمائية الدولية، من بينها مهرجان مالمو، ومهرجان إسطنبول، ومهرجان ترافرسيس بفرنسا، إضافة إلى مهرجان هوليوود للفيلم العربي، في خطوة تعكس حضورًا عالميًا متناميًا للعمل.