في لحظة إقليمية مشحونة بالتصعيد، حيث تتقاطع خطوط التوتر في أكثر من ساحة، جاءت كلمة مندوب مصر لدى مجلس الأمن الدولي السفير إيهاب عوض، بوصفها صوتًا عربيًا جامعًا، لا يكتفي برصد الانتهاكات، بل يسعى إلى إعادة ضبط البوصلة نحو قواعد الشرعية الدولية، كلمة حملت ملامح موقف حاسم، يجمع بين الإدانة الواضحة لأي اعتداء يمس سيادة الدول، والتحذير من تداعيات العبث بأمن الممرات البحرية، والتأكيد أن استقرار المنطقة لن يتحقق إلا عبر احترام القانون الدولي وإنهاء بؤر الصراع المزمنة.
ومن على منبر الأمم المتحدة، بدت القاهرة وكأنها تتحدث بلسان الإقليم، مستندة إلى مظلة جامعة الدول العربية، لتطرح رؤية متكاملة تعيد التوازن إلى مشهد مضطرب، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في حماية الأمن والسلم الدوليين، في وقتٍ لم يعد يحتمل مزيدًا من التصعيد أو التجاهل.
جاءت نص كلمة مندوب مصر أمام مجلس الأمن السفير إيهاب عوض، في ظل التطورات الخطيرة التي تشهدها منطقتنا مؤخرًا، تود المجموعة العربية طرح النقاط التالية:
أولًا: إدانة الاعتداءات الإيرانية الآثمة وغير المبررة على كل من المملكة الأردنية الهاشمية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان، ودولة قطر، ودولة الكويت، وجمهورية العراق، بما يُشكل عدوانًا سافرًا على سيادة الدول وتهديدًا لأمنها واستهدافًا غير مقبول لأمنها واستقرارها وانتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، ومبادئ حسن الجوار، ونشدد على حق الدول المستهدفة في الدفاع عن النفس وفقًا لمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
ثانيًا: التأكيد أن إقرار مجلس الأمن للقرار 2817 يعكس الإرادة الجماعية للمجتمع الدولي في صون سيادة الدول والحفاظ على السلم والأمن الدوليين ونطالب إيران بسرعة تنفيذ القرار والوقف الفوري لجميع أشكال الاعتداء على الدول العربية والامتناع عن أي أعمال استفزازية، أو توجيه التهديدات للدول الجوار بما في ذلك عبر استخدام الوكلاء.
ثالثًَا: إدانة الأعمال والإجراءات الإيرانية الاستفزازية والتدابير الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة الدولية أو تهديد حرية الملاحة في باب المندب والمياه الدولية، ونطالب إيران بالوقف الفوري لجميع الهجمات ضد السفن التجارية والامتناع عن أي محاولات لإعاقة المرور المشروع أو تقويض الملاحة في مضيق هرمز، إذ إن حرية الملاحة تُعد مبدأ أساسيًا من مبادئ القانون الدولي بما في ذلك ما نصت عليه الأمم المتحدة لقانون البحار، وندعو المجتمع الدولي إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة والمساهمة في الجهود اللازمة لضمان العبور الآمن عبر المضيق، وفي هذا الإطار تُشيد المجموعة العربية بالمرونة التي أظهرتها مملكة البحرين في التفاوض على مشروع القرار، الذي تقدمت به لضمان أمن وحرية الملاحة البحرية والمضايق المائية، اتساقًا مع أحكام القانون الدولي، وتتطلع المجموعة لاعتماد النص النهائي في أقرب فرصة.
رابعًا: تأكيد دعم وحدة لبنان وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه وضرورة بسط سلطة الدولة كاملة على جميع أراضيها بما يضمن تعزيز مؤسساتها الدستورية وصون الأمن والاستقرار الوطني، ونرحب في هذا الإطار بقرار مجلس الوزراء اللبناني بشأن حظر كل النشاطات الأمنية والعسكرية لحزب الله وحصر عمله السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، لا سيّما الجيش اللبناني والقوة الأمنية الرسمية بما ينسجم مع أحكام الدستور اللبناني والقرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 1701 واتفاق الطائف ودعم الخطوات، التي تتخذها الحكومة اللبنانية للحفاظ على أمن واستقرار لبنان، وندعو المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لوقف الاعتداءات المستمرة على لبنان بشكل فوري، والانسحاب من كل الأراضي اللبنانية المحتلة والامتثال لجميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، واتفاق وقف الأعمال العدائية.
خامسًا: إن مفتاح تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة العربية يظل مرهونًا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه المشروعة غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإنهاء الاحتلال وتجسيد دولته المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967م، وإقامة دولته وعاصمتها القدس الشرقية تنفيذًا لحل الدولتين، ومن هذا المنبر تدين المجموعة العربية جميع الإجراءات الإسرائيلية غير القانونية في الأرض الفلسطينية المحتلة، التي تُشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي والقرارات الشرعية الدولية، بما في ذلك تمدد الاحتلال والاستيطان وإرهاب المستوطنين واستمرار العمليات العسكرية والأمنية والعمل على تهجير الفلسطينيين المدنيين من أراضيهم، فضلًا عن الاستهداف الممنهج للمنظمات العاملة في المجال الإنساني والمجتمع المدني وهيئات الأمم المتحدة، لا سيّما وكالة الأونروا والتضييق على السلطة الفلسطينية والإجراءات المتعلقة بتسجيل وملكية الأراضي في الضفة الغربية المحتلة، وإقرار الكنيست الإسرائيلي لقانون تميزي لإعدام الأسرى الفلسطينيين، ما يعزز نظام الفصل العنصري إلى جانب فرض القيود على حرية العبادة في انتهاك سافر للوضع التاريخي والقانوني القائم في الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، الذي يتعين احترامه في إطار الوصايا الهاشمية التاريخية على هذه المؤسسات، وندعو إسرائيل بوصفها القوة القائمة للاحتلال إلى الوقف الفوري لكل هذه الإجراءات بما في ذلك الاعتداءات الممنهجة بحق الشعب الفلسطيني في كل انحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، والكف عن الممارسات التي تقوض رؤية الرئيس ترامب والمجتمع الدولي الرافضة لضم أو احتلال الأراضي في الضفة الغربية وقطاع غزة والالتزام الكامل بأحكام القانون الدولي الإنساني وجميع قرارات مجلس الأمن، آخرها قرار 2803 بما في ذلك الترتيبات المتعلقة بوقف إطلاق النار في غزة وفتح المعابر والنفاذ الآمن والكامل للمساعدات الإنسانية دون عوائق وإطلاق جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة، والانسحاب الإسرائيلي من القطاع بما يخدم تحقيق جهود السلام بالمنطقة.
وأكد مندوب مصر لدى مجلس الأمن الدولي السفير إيهاب عوض، أن تحقيق السلام الشامل بالمنطقة يظل رهينًا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي في كل الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري المحتل وتنفيذ جميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وتدين المجموعة العربية الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، وتشدد على ضرورة احترام سيادتها ووحدة أراضيها وصون سيادتها الإقليمية، كما تؤكد المجموعة العربية أهمية تكثيف التنسيق بين الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، لدعم جهود تسوية الأزمات في السودان والصومال وليبيا واليمن، تنفيذًا لقرارات مجلس الأمن وقرارات جامعة الدول العربية ذات الصلة، وبما يصون سيادة هذه الدول ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية ويحقق الاستقرار المستدام بالمنطقة.
واختتم السفير إيهاب عوض، كلمته بتأكيد مواصلة المجوعة العربية دعم وتعزيز كل الجهود الرامية إلى الارتقاء بمستوى التعاون المؤسسي بين الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية في مختلف المجالات، بما يستجيب لأولويات المنطقة العربية ويعكس خصوصيتها ويعزز من دور العمل المتعدد الأطراف كإطار رئيسي في صون السلم والأمن الإقليميين والدوليين.