شهد موسم عيد الفطر السينمائي تسجيل السينما المصرية لإيرادات لافتة بأفلام محدودة العدد، في وقت يشهد فيه الإنتاج انكماشًا مقارنة بمواسم سابقة كانت تعج بالعديد من الأعمال المتنافسة، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة السوق الحالية: "هل نحن أمام انتعاشة تقودها موجة شبابية جديدة أم ارتفاع في الإيرادات لكل عمل نتيجة قلة المعروض وسيطرة آليات توزيع تعيد رسم خريطة شباك التذاكر؟".
خريطة عرض محدودة.. وإيرادات متصاعدة
رغم الحضور القوي لعدد من الأفلام الشبابية داخل دور العرض، غير أن العرض اقتصر على أعمال محدودة مثل "برشامة"، "إيجي بيست"، و"فاميلي بيزنس"، في وقت كانت فيه مواسم سابقة تشهد تنوعًا أكبر ومنافسة أكثر شراسة بين عدد كبير من الأفلام.
هذا التراجع في حجم الإنتاج يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: "هل تحقق هذه الأفلام نجاحاتها نتيجة إقبال جماهيري أم بسبب تقسيم عدد الأفلام المحدود على حجم الإقبال الجماهيري، ما يمنح كل فيلم فرصة أكبر للسيطرة على شباك التذاكر؟".
لا يتوقف الجدل عند حدود الإنتاج، بل يمتد إلى منظومة التوزيع، التي يرى البعض أنها أصبحت تميل إلى تقليل عدد الأفلام المطروحة، بما يمنح كل عمل مساحات عرض أوسع، هذا التوجه يسهم في تضخيم الإيرادات، لكنه في الوقت نفسه قد لا يعكس بدقة حجم الطلب الفعلي بقدر ما يعكس طبيعة العرض المحدود.
عودة السينما الشبابية
تتزامن هذه التحولات مع عودة مصطلح "السينما الشبابية" إلى الواجهة، مدفوعًا بنجاحات حديثة تستدعي إلى الأذهان تجارب سابقة مثل "إسماعيلية رايح جاي"، و"صعيدي في الجامعة الأمريكية"، و"همام في أمستردام"، ما يطرح تساؤلًا أوسع: "هل نحن أمام موجة فنية حقيقية أم إعادة تشكيل للسوق السينمائية؟".
مفترق طرق في تاريخ الصناعة
في السياق ذاته، يرى الناقد عصام زكريا، أن السينما المصرية تقف بالفعل عند مفترق طرق بعد سنوات طويلة من هيمنة أجيال متعاقبة من النجوم على صدارة المشهد، بدءًا من جيل ليلى علوي ويسرا، مرورًا بجيل التسعينيات الذي ضم محمود حميدة، وصولًا إلى جيل الألفينات الذي مثله نجوم مثل أحمد السقا وأحمد عز وكريم عبدالعزيز، إلى جانب نجمات مثل غادة عادل ومنة شلبي.
ويشير إلى أن هذه الأسماء ظلت في الصدارة لما يقرب من عقدين، في ظل حضور محدود لوجوه جديدة، قبل أن تبدأ ملامح جيل مختلف في التشكل عبر الدراما التلفزيونية والمنصات الرقمية، بل حتى من خلال عروض "الستاند أب كوميدي"، ما أتاح له قاعدة جماهيرية ساعدت على انتقاله إلى السينما.
من البطولة الجماعية إلى النجومية
يوضح زكريا، أن انطلاقة هذا الجيل جاءت من خلال أفلام جماعية جمعت ممثلين من خلفيات متنوعة، من نجوم مسرح مصر إلى صناع محتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تركيبات بدت في البداية غير تقليدية، لكنها حققت نجاحًا ملحوظًا كما في "الحريفة"، قبل أن تتأكد الظاهرة مع أفلام أخرى مثل "الهوى سلطان" و"برشامة".
ويؤكد أن هذه النجاحات دفعت المنتجين إلى إعادة قراءة السوق، خاصة مع تراجع نسبي في بريق بعض النجوم التقليديين، ما فتح المجال أمام تجارب أكثر جرأة تعتمد على وجوه جديدة.
جيل واحد يصنع تيارًا
من جانبه، يرى الناقد كمال رمزي، أن ما يحدث حاليًا نتاج تلاقي تجارب صُنّاع ينتمون إلى جيل واحد، ما يفرز ملامح تيار سينمائي واضح دون تخطيط مسبق.
ويستشهد بتجارب سابقة مشابهة، مثل الجيل الذي ضم عاطف الطيب وبشير الديك، إذ تشكلت موجة سينمائية فرضت نفسها دون الحاجة إلى تصنيفات.
ويؤكد أن هذه الحالة تعكس تحررًا من القوالب التقليدية، سواء على مستوى الموضوعات أو أساليب السرد.
الجمهور يتغير
في المقابل، يطرح الناقد أندرو محسن، رؤية مختلفة، معتبرًا أن معادلة النجاح لم تعد مرتبطة بالأسماء بقدر ارتباطها بجودة العمل نفسه.
ويشير "محسن" إلى أن تجارب سابقة لنجوم كبار أثبتت أن الجماهيرية وحدها لا تضمن الإيرادات.
ويرى أندرو محسن، أن وجود النجوم الكبار لا يمثل تهديدًا للوجوه الجديدة، بل يخلق توازنًا داخل السوق، يتيح تنوعًا في أنماط الأفلام بين الكوميديا والأكشن والرومانسية، بما يمنح الجمهور مساحة أوسع للاختيار.
تأثير المنصات
يلفت "محسن" إلى أن ذائقة الجمهور المصري شهدت تحولًا واضحًا، انعكس في نجاح أفلام تنتمي لأنماط لم تكن رائجة سابقًا، مثل "رحلة 404" و"البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو"، إلى جانب عودة لافتة للأعمال الرومانسية مثل "الهوى سلطان".
ويربط هذا التغيير بتأثير المنصات الرقمية، التي أتاحت للمُشاهد الاطلاع على تجارب سينمائية متنوعة، ما رفع سقف توقعاته من الإنتاج المحلي.
سوق مفتوحة
يختتم أندرو محسن رؤيته بالتأكيد أن السوق السينمائية تظل مفتوحة أمام جميع السيناريوهات، مستشهدًا بعودة بعض النجوم إلى دائرة الضوء بعد فترات من التراجع، ما يعكس أن التجدد والتجريب يظلان عنصرين أساسيين لاستمرار الصناعة.
كما يتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة توسعًا في نمط البطولات الجماعية، التي تجمع أكثر من جيل، بما يعزز من تنوع المشهد السينمائي ويمنحه ثراءً أكبر.