أعلنت الحكومة المصرية، اليوم الثلاثاء، عن إستراتيجية شاملة للتعامل مع "حالة الطوارئ" الراهنة في ظل المشهد الإقليمي المتوتر والتطورات العسكرية المتسارعة التي ألقت بظلالها على أسواق الطاقة العالمية، تهدف هذه الإستراتيجية إلى حماية الاقتصاد الوطني وتخفيف الضغوط المعيشية عن المواطنين، من خلال تنسيق رفيع المستوى بين مجلس الوزراء المصري والبنك المركزي والوزارات المعنية، لمتابعة تقلبات الأسواق العالمية، والتدفقات المالية الدولية بشكل لحظي.
احتياجات الدولة من الطاقة
في هذا السياق، قال البيان الصادر عن مجلس الوزراء المصري، إن الحكومة تعمل على تأمين احتياجات الدولة من الطاقة من خلال متابعة جداول التوريد والتعاقدات القائمة للمنتجات البترولية بصورة يومية، والاستفادة من الترتيبات التعاقدية والتحوطات السعرية التي تم إبرامها مسبقًا، والتي تغطي جزءًا مهمًا من الواردات، بما يحد من تأثير الارتفاعات العالمية، كما يجري التنسيق مع الشركاء الدوليين في قطاع الطاقة لضمان انتظام الإمدادات، ورفع معدلات الإنتاج المحلي خلال الفترة الحالية.
كما يجري التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي لتعزيز الموارد من النقد الأجنبي، من خلال التواصل مع المؤسسات المالية الدولية لتعجيل بعض الشرائح التمويلية المقررة، إلى جانب التحرك في الأسواق الدولية وتوسيع برنامج الطروحات الحكومية خلال الأشهر المقبلة، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بما يدعم قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع المتغيرات العالمية الراهنة، مع مساندة الصادرات السلعية والخدمية، وضمان تنافسية الصناعة والتصدير.
ترشيد حكومي وقبضة قانونية ضد التلاعب
وقررت لجنة الأزمات المركزية اتخاذ حزمة من الإجراءات الاستباقية "المؤقتة" التي تستهدف تعزيز قدرة الاقتصاد على التعامل مع هذه التطورات، وضمان استقرار الأسواق المحلية واستمرار توافر السلع والمنتجات البترولية، وذلك إلى حين اتضاح اتجاهات الأوضاع العالمية خلال الفترة المقبلة، وتتمثل هذه الحزمة في الإجراءات التالية:
- تبدأ الدولة هذه الإجراءات بنفسها، إذ تؤكد الحكومة القيام فورًا بتنفيذ إجراءات ترشيد الإنفاق داخل الجهات الحكومية والأجهزة التابعة لها، بما يعكس حرصها على تحمل نصيبها من أعباء المرحلة بالتوازي مع الإجراءات الأخرى التي سيتم اتخاذها، مع مراعاة البعد الاجتماعي في جميع السياسات المتخذة.
- وفي هذا الإطار، تقرر البدء في تنفيذ عدد من إجراءات الترشيد داخل الجهات الحكومية وبعض الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما يسهم في خفض استهلاك الوقود والكهرباء خلال الفترة المقبلة، مع مراجعة أنماط التشغيل في عدد من المشروعات والخدمات التي تعتمد بصورة كبيرة على السولار والمازوت والبنزين، وضبط إيقاع العمل بها بما يحقق خفضًا ملموسًا في الاستهلاك، دون الإخلال بانتظام الخدمات الأساسية المُقدَّمة للمواطنين.
- وجّهت الحكومة المحافظين بالمتابعة الميدانية اليومية لملف ترشيد استهلاك الكهرباء، بما يشمل مراجعة أوضاع أعمدة الإنارة في الشوارع والميادين العامة وضبط توقيتات تشغيلها، ومتابعة إضاءة اللوحات الإعلانية واللافتات التجارية للتأكد من الالتزام بضوابط ترشيد الاستهلاك، مع اتخاذ الإجراءات الفورية اللازمة لضبط أي مخالفات في هذا الشأن.
- وتأكيدًا لحرص الحكومة على أن تتحمل جانبًا من إجراءات التعامل مع الأزمة، فقد صدر قرار رئيس مجلس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، بشأن ترشيد الإنفاق العام بالجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة والهيئات العامة الاقتصادية، والذي يتضمن إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتأجيل النفقات غير العاجلة، والحد من السفر والمؤتمرات والفعاليات ونفقات الدعاية، إلى جانب وضع ضوابط للإنفاق الاستثماري والتركيز على استكمال المشروعات التي قاربت على الانتهاء، بما يسهم في تعظيم كفاءة استخدام الموارد العامة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
في السياق ذاته، فسوف تشرع الحكومة فورًا في تنفيذ توجيه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لها، بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري، لمنع استغلال الظروف الاستثنائية الراهنة لرفع الأسعار، أو التلاعب بها، لأن مصر، كما أشار رئيس مجلس الوزراء، في حالة شبه طوارئ، ويتعين ألا يتم التلاعب باحتياجات المواطنين المصريين.
إعادة تسعير الطاقة وتأمين الإمدادات
وأقرّت الحكومة المصرية ضرورة إعادة تسعير بعض المنتجات البترولية لمواجهة الارتفاعات القياسية في أسعار الطاقة وتكاليف الشحن عالميًا، مؤكدة أن الدولة لا تزال تتحمل جانبًا كبيرًا من التكلفة الفعلية لضمان استدامة الإمدادات.
يأتي هذا القرار بما يعكس جزءًا من التطورات العالمية في أسعار الطاقة، مع استمرار الدولة في تحمُّل جانب كبير من التكلفة، وذلك لضمان استقرار السوق المحلية واستدامة إمدادات الوقود خلال المرحلة الحالية، التي تشهد ارتفاعات كبيرة في أسعار المنتجات البترولية، وتكلفة النقل.
شبكة أمان اجتماعي وتعزيز الأجور
في إطار الحرص على الحد من التداعيات الاجتماعية للتطورات الاقتصادية العالمية، تعمل الحكومة المصرية على تعزيز برامج الحماية الاجتماعية الموجَّهة للفئات الأولى بالرعاية، حيث تقرر مدّ العمل بقرار زيادة الدعم النقدي المُقدَّم للمستفيدين من برنامجي تكافل وكرامة والأسر الأولى بالرعاية من حاملي البطاقات التموينية، الذي سبق الإعلان عنه ضِمن حزمة الحماية الاجتماعية، لفترة إضافية تمتد لشهرين إضافيين، بما يسهم في دعم قدرة هذه الأسر على مواجهة الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الأزمة الإقليمية والعالمية الحالية، بما فيها ارتفاع الأسعار العالمية للطاقة وتكاليف النقل والشحن.
كما تعتزم الحكومة الإعلان مبكرًا عن حزمة تحسينات في الأجور والدخول للعاملين بالدولة اعتبارًا من العام المالي "2026-2027"، تتضمن رفع الحد الأدنى للأجور بما يواكب المتغيرات الاقتصادية الراهنة، وذلك في إطار حرص الدولة على تعزيز القوة الشرائية للعاملين بالجهاز الإداري للدولة ومساندتهم في مواجهة التداعيات الاقتصادية العالمية.
وقالت الحكومة المصرية إنها ستواصل خططها وسياساتها المستقرة الهادفة إلى الاستمرار في توفير السلع التموينية الأساسية المدعومة، وضمان استقرار إمداداتها للفئات الأكثر احتياجًا.
إصلاحات هيكلية وتطلع للمستقبل
وشددت الحكومة المصرية على المضى قدمًا في مسار الإصلاح الاقتصادي والمالي، من خلال الانتهاء من إقرار حزمة التسهيلات الضريبية الثانية، والتطبيق الكامل لتسهيلات الضريبة العقارية التي تم إقرارها أخيرًا، والعمل على تنفيذ إجراءات خفض زمن وأعباء الإفراج الجمركي، والانتهاء من إعداد موازنة العام القادم بشكل يضمن التوازن بين دفع النمو والنشاط الاقتصادي، خاصة الأنشطة الصناعية والتصديرية، مع ضمان الانضباط المالي وخفض وتحسين مؤشرات المديونية وخدمة الدين، مع ضمان تعزيز المخصصات الموجَّهة لصالح قطاعات وأنشطة التنمية البشرية.
كما تعمل الحكومة على تحسين بيئة الأعمال وتنافسية الاقتصاد المصري بشكل متسق ومتكامل بالتوازي مع تعزيز وتيرة وسرعة تنفيذ برنامج الطروحات والانتهاء من تحديث وثيقة سياسة ملكية الدولة، بالإضافة إلى زيادة تنفيذ مشروعات البنية التحتية وغيرها من المشروعات من خلال آلية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، كما سيتم العمل على دفع الصادرات المصرية باعتبارها أحد أهم محركات النمو خلال الفترة القادمة من خلال برامج مساندة إضافية ترتبط بتحقيق نتائج ملموسة.
كما أن السياسة النقدية ملتزمة باستهداف التضخم والعمل على خفض معدلاته، وفقًا للمستهدفات المعلنة من قبل البنك المركزي، مع ضمان مرونة سعر الصرف بشكل يعكس آليات السوق، وبما يسمح بتوافر مستلزمات الإنتاج واحتياجات السوق المصرية كافة.